كان الاجهاض دائماً مسألة مثيرة للجدل بين الساسة الأميركيين، ولكن المثير للدهشة أن القضية تلعب حتى الآن دوراً محدوداً في حملات انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2008. فقد تركزت المناظرات في معظمها بين الساعين الى خوض تلك الانتخابات على الحرب في العراق وقضايا السياسة الخارجية واعادة ترتيب الاوراق بعد خروج ادارة الرئيس بوش من البيت الابيض. ورغم ذلك فان قضية الاجهاض، مثلما كانت دائماً، تشغل حيزاً في مواقف الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء.
الاجهاض بين الديموقراطيين
من الملاحظ أن العضوة في مجلس الشيوخ عن الحزب الديموقراطي هيلاري كلينتون ونظيرها باراك أوباما يؤمنان بحق المرأة في الاختيار بين الاجهاض أو عدمه.
ومع ذلك، فان كون المرء مؤيداً لحق المرأة في الاختيار لا يعني بالضرورة الموافقة على الاجهاض. فعلى سبيل المثال تعرب السيناتور كلينتون عن ايمانها بحق المرأة في الاختيار، لكنها لا تؤيد الاجهاض على نحو اجمالي وتدعو الى أن يكون الاجهاض أمراً نادر الوقوع في المجتمع.
وتقول السيناتور كلينتون انه رغم ذلك فان القضية تستدعي أن تعمل الأطراف المتعارضة على تقريب وجهات النظر في شأنها. فقد طلبت المشرعة الديموقراطية من مؤيدي حق المرأة في الاجهاض ومعارضيه العمل معاً على خفض عدد عمليات الاجهاض وأبلغت الجانبين «أن الحاجة تدعو الى بناء مستقبل مفعم بالأمل والازدهار والاشراق للمرأة والفتيات في الولايات المتحدة وحول العالم»، حسب ما أوردته مقالة نشرتها في العشرين من سبتمبر الماضي صحيفة معنية في شؤون الحزب الديموقراطي تصدر في مدينة «روشستر» بولاية نيويورك.
واضافة الى ذلك تسعى السيناتور كلينتون الى فتح قنوات الاتصال مع الشباب لتلقينهم بمعلومات عن سبل الاتصال الجنسي التي لا تشتمل على أي مخاطرة في محاولة لتقليل المشكلات الناجمة، كما أنها تؤيد التنسيق مع العائلات وابلاغ الوالدين بالمشكلات التي قد تطرأ نتيجة تلك العلاقات. ومثل كلينتون، يؤيد السيناتور باراك أوباما حق المرأة في الاختيار وضرورة تلقين المراهقين المعلومات الخاصة بموانع الحمل، ذلك أن أوباما صوّت في مارس عام ألفين وخمسة بالموافقة على خطة تبلغ كلفتها مئة مليون دولار لتوجيه وتعليم المراهقات بهدف خفض حالات الحمل بينهن. كما أن أوباما أيد قرار المحكمة العليا الصادر عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين الذي ألغى قوانين حظر الاجهاض كافة أو تجريمه والتي سنتها الحكومة الفيديرالية وحكومات الولايات، كما أنه صوّت في الماضي بعدم الموافقة على ابلاغ الوالدين عن بناتهم القصر اللاتي يجرين عمليات اجهاض خارج الولاية.
ورغم الحضور والتأييد الذي يتمتع به السيناتور أوباما بين المواطنين فان موقفه من قضية الاجهاض لا يلقى قبولاً لدى المحافظين. وواجه أوباما تلك الحقيقة أثناء حوار مع جمهور الناخبين في ولاية أيوا، فقد تحدثت سيدة من سكان الولاية عن اعجابها بالسيناتور أوباما واستشهدت بقيمه ومُثله، لكنها أيضاً أعربت عن ترددها في التصويت لصالحه بسبب وجهات نظره المؤيدة لحق المرأة في الاجهاض وقالت: «ان من الصعب بالنسبة الي أن أصوت لصالح مرشح لا يؤيد حق الحياة». واضافت الناخبة أنها تتضرع الى الله كي يغير أوباما موقفه من تلك القضية.
ومع ذلك فقد أشارت تلك الناخبة الى أنها لا تؤيد أياً من الساعين لنيل ترشيح الحزب الجمهوري رغم أن معظمهم يؤيدون وجهة نظرها في قضية الاجهاض.
من جهة ثانية، فأن بعض الساعين لنيل ترشيح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات العام المقبل غيروا مواقفهم من قضية الاجهاض ومن أبرزهم ميت رومني، حاكم ولاية ماساشوستس السابق، الذي تحول تماماً عن موقفه من قضية الاجهاض وانتقل من تأييد حق الاختيار الى حق الحياة.
وغيّر رومني موقفه بسبب قضية أبحاث الخلايا الجنينية الأساسية المعروفة بالخلايا الجذعية، وهي قضية أخرى مثيرة للجدل. فقد نُقل عن الحاكم السابق قوله: «ان قرار المحكمة العليا الصادر عام الف وتسعمئة ثلاثة وسبعين بالغاء القوانين كافة التي تحظر أو تجرم الاجهاض في عموم البلاد قلل كثيراً من قدر الحياة الانسانية بما قد يدفع المرء الى الاعتقاد أن تبديد خلايا الأجنة التي خُلقت فقط لأغراض البحث عمل غير أخلاقي».
ورغم أنه غيّر وجهة نظره قبل ثلاثة أعوام فقد اطلق رومني تصريحات وقام بأفعال يعتقد الكثيرون أنها تتعارض مع معتقداته المؤيدة لحق الحياة. وكان من بينها تصويته بالموافقة على رفع الحظر على أبحاث الخلايا الجذعية الذي فرضته ادارة الرئيس بوش وتعيينه مسؤولاً مؤيداً لحق الاجهاض ضمن فريق حملته الانتخابية.
ومما يُحسب لصالح رومني أنه ليس الجمهوري الوحيد الذي لا تتسم مواقفه بالوضوح من قضية الاجهاض. فهناك على سبيل المثال السيناتور جون ماكين الذي اعرب بشدة عن مواقف مؤيدة لحق الحياة، لكنه رغم ذلك صوّت لصالح توسيع نطاق أبحاث الخلايا الجذعية، وهي خطوة مثل تلك التي اتخذها رومني تسببت في حيرة مؤيدي حق الحياة.
لكن ماكين اختلف عن رومني حينما أعلن أنه سيؤيد الغاء قرار المحكمة العليا الصادر عام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين الذي أشرنا اليه سابقاً، في الوقت الذي أعلن فيه رومني أنه لن يعبث بقوانين الاجهاض.
وهناك المرشح الجمهوري الرئيسي الذي يميل أكثر الى مواقف الديموقراطيين من تلك القضية. انه رئيس بلدية نيويورك السابق رودي جولياني الذي يختلف مع نظرائه الجمهوريين بموقفه المؤيد لحق الاختيار، كما أنه لم يتردد أبداً في اعلان موقفه صراحة.
لكن جولياني، وعلى النقيض من السيناتور كلينتون والسيناتور أوباما، لا يؤيد حق المرأة في الاختيار، لأنه يعتقد أصلاً أن الاختيار من حقها، وأنه ليس من حق الحكومة التدخل في حياة الناس الشخصية.
وفي حقيقة الأمر، فان جولياني أعلن أنه على نحو شخصي يعارض الاجهاض، كما أنه صرح على الملأ بأنه يوافق على الغاء قرار المحكمة العليا لعام ألف وتسعمئة وثلاثة وسبعين لكنه أيضاً يتقبل الوضع الراهن.
وبطبيعة الحال، أثار التباين في مواقف جولياني غضب الناخبين من مؤيدي حق الحياة، كما أنه خلف انطباعاً لدى معارضي الاجهاض بأن رودي لا يكترث بتلك القضية. ورغم ذلك فانه من غير المرجح أن يصبح موضوع الاجهاض قضية حاسمة في انتخابات عام ألفين وثمانية الرئاسية، فهناك اجماع كامل في طول البلاد وعرضها على أن مواقف المرشحين من حرب العراق والحل الذي يطرحه كل مرشح أو مرشحة هو الذي سيهيمن على الحملات الانتخابية.
وطبقاً لنتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» عن الانتخابات المرتقبة فان اثنين في المئة فقط من الناخبين المؤهلين للادلاء بأصواتهم والبالغين يعتقدون أن الاجهاض سيكون من أهم القضايا. ويعتقد ثلاثة وأربعون في المئة من الناخبين المسجلين واثنان وأربعون في المئة من البالغين أن الحرب في العراق هي القضية الرئيسية.
ومع توافر مثل هذه الأرقام فانه من غير المحتمل أن يكون للمواقف المتباينة من قضية الاجهاض أثر يُذكر على تحديد المرشح الذي سيصبح رئيساً للولايات المتحدة عام 2008.
* عن «تقرير واشنطن»