خواطر صعلوك
في سوسيولوجيا التأجير!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
01:19 ص
في شارعنا بالأمس حدثت جريمة قتل.
أسكن في شارع ضيق بمسافاته ومشاعره! يكفي أن تعرف أن عرض الشارع لا يكفي لمرور سيارتين في نفس الوقت مما يجعلنا نلعب مع بعضنا البعض أحياناً لعبة (الديك والدجاجة) ولمن ستكون الغلبة في المرور! وبعد المرور عليك أن تتفادى ألسنة القمامة الاستهلاكية التي أكلت متراً أو مترين ونصف المتر من عرض الشارع الضيق بسكانه ومساحاته وابتساماته، والمرتفع بإيجاراته!
في شارعنا يتشاجر الناس دائماً على مواقف السيارات.. ورغم أن شارعنا هادئ معظم الوقت إلا أنه مليء بالهمس.. ثم فجأة تجد مصيبة قد وقعت.
في شارعنا الصغير التركيبة السكانية تختزل وتختصر جميع الأجناس والأعراق، والعادات والأذواق.
ابني ذو الثلاثة أعوام يخبرني عن تفاصيل مشاجرة قامت سريعاً وانتهت سريعاً.
وزوجتي تخبرني عن الرجل الذي حاول الانتحار، وأنا أشاهد غرباء يأتون دائماً في كل عطلة ويختفون بقية أيام الأسبوع!
في شارعنا بالأمس حدثت جريمة قتل.
أعرف الضحية.. وأعرف القاتل وأعرف الصمت الذي أصابني وأنا أشاهد أطفال الجيران وهم يلعبون في نفس المبنى الذي وقعت فيه الجريمة صباح اليوم التالي، كان الشكل مثل لوحة سريالية رتيبة...
ورغم أن شارعنا قصير وضيق إلا أنه لا أحد هنا يحزن على أحد، في الواقع لا أحد هنا يعرف أحداً!
بل لكي أكون صادقا أكثر لا شيء هنا ثابت سوى الأسمنت والتجهم.. والوجوه دائماً تتغير!
نحن نقابة المؤجرين دائماً في حركة مستمرة.
هل قلت لكم إنني أعرف القاتل والضحية؟
أنا آسف فكل ما في الأمر أنني ألقيت عليهم التحية مرات عدة خلال 7سنوات من الجيرة، هذا كل ما في الأمر، وذات يوم أعطت الضحية (رحمها الله) لابنتي قطعة من الحلوى، تبادلت الابتسامات مع أبنائها.. ثم اختفت.. تماماً.
أجد نفسي الآن أعود لمقال كنت قد كتبته لك من قبل بعنوان (دليل المستأجر الكويتي) وذكرت فيه قواعد كان أولها:
لا تستغرب إذا اكتشفت أنك تسكن في الحي نفسه منذ سنوات، ورغم ذلك فأنت لا تعرف اسم جارك الذي فوقك أو الذي تحتك أو الناس الذين في نفس شارعك، وأن أغلب الذين يعيشون في محيطك حالهم كحال أصدقاء الفيسبوك (افتراضيون)، والسبب عزيزي القارئ هو أن الجميع يشعر أنه يعيش حالة (موقتة) وأن الدخول في علاقات اجتماعية مع السكان سيساعده على التعايش مع بيئة السكن، وهو نفس السكن الذي يلعنه كل يوم، كونه سكناً موقتاً.. بالإيجار.
ربما تقول لي (احمد ربك.. غيرنا مو لاقي سكن)، وأقول لك (الحمد لله الذي عافانا) ولكن هذا لا يمنع من كون مشاعرنا مستأجرة!
قرأت ذات يوم في كتاب (ملفات المستقبل) لكاتب أجنبي لا أذكر اسمه الآن أنه كانت هناك سيدة في ضواحي لندن ماتت داخل شقتها وهي جالسة على أريكة صالتها تشاهد التلفاز الذي استمر يعمل لمدة 45 يوماً دون أن يطرق بابها أحد، الغريب أن هذه السيدة كان لديها مليون صديق على الفيس بوك! وبالتأكيد بعضهم قد هنأها في عيد ميلادها.
في شارعنا بالأمس حدثت جريمة قتل! هل حدثت في شارعنا فعلا أم أنني أتخيل؟
ربما حدثت في شارعك أنت، أو أنتِ.. أو ربما أنت هناك!
في الواقع لقد حدثت جريمتان، الثانية كانت في كوننا لم نعد نبالي.
هل للسادة علماء السوسيولوجيا أو علم الاجتماع رأي ودراسات حول سلوكيات ونفسيات الأفراد الذين يسكنون في شوارع مثل شوارعنا، وأثر ذلك على مشاعرنا؟
نحن الذين يطلقون علينا الطبقة الوسطى، تلك الطبقة المضغوط عليها من أعلى، والمشدود بنطلونها للأسفل!
هل هناك دراسات لا تتكلم عنا؟
كاتب كويتي
moh1alatwan@