خطة المخابرات اللبنانية لإفشال خطف «الميراج»

1 يناير 1970 01:52 ص
يسرد اللواء الخطيب في كتابه الوقائع الأخيرة التالية للعملية الأمنية والخطة التي أحبطت خطف «الميراج» من لبنان فيقول:
كان الهدف الأساسي من الخطة كشف هوية الشخصين الروسيين العاملين على خطف طائرة «الميراج» اللبنانية وضبط الوثائق والقرائن التي تثبت قيامهما بعملية الخطف، ومن ثم تسليمهما إلى السفارة السوفياتية في بيروت لترحيلهما عن لبنان، ولملمة الموضوع، لكن إذا أنكر الروس هذه الحقيقة رغم كل ما لدينا من قرائن واثباتات، سنعلن النبأ بكل حيثياته، لأننا حريصون جداً على المحافظة على سيادة لبنان، وعلى حماية قواتنا المسلحة من أي مغامرة أخرى مماثلة. وقد وضعت الشعبة الثانية الخطة كما يأتي:
• يعقد الاجتماع التنفيذي لضباط الشعبة بتاريخ 29 سبتمبر 1969 لإطلاعهم على تفاصيل القضية، وإقرار المداهمة لتوقيف كل المشتركين في التوقيت نفسه، وذلك يوم 30 سبتمبر 1969 الساعة السابعة و20 دقيقة مساء.
• توزع المهام على الضباط بنفس الاجتماع على الشكل الآتي:
- الرائد خطيب يرأس مجموعة أمنية من الشعبة الثانية مع مفرزة من الشرطة العسكرية ويقوم بتوقيف الروسيين والضابط مطر في الشقة الخاصة العائدة للروسي فاسيلييف في المزرعة، ويضبط الموجودات من دولارات نقداً والشيك ومخطط الطيران وما إلى ذلك، وتتم عملية التوقيف في الساعة 19.20 وعند سماع كلمة أوكيه بالراديو المزود به الملازم الأول مطر، ينتظر الرائد خطيب مع مجموعته في ثكنة إميل الحلو في أول شارع مار الياس، الإشارة المذكورة.
- النقيب إدغار معلوف، يرأس مجموعة من الشرطة العسكرية ويقوم بتوقيف المقدم نزيه حمادة من منزله، وفي تمام الساعة 19.20.
- النقيب نعيم فرح يرأس مجموعة من الجهاز المشترك ويقوم بتوقيف حسن بدوي، الطيار المتقاعد، في الساعة 19.20.
(ملاحظة: كان النقيب عباس حمدان قد استأجر الشقة التي تعلو شقة فاسيلييف مباشرة في بناية المزرعة، وجند البواب معه ليحكم السيطرة على الموقف حتى إقرار المداهمة).
في تمام الساعة 18.30 من يوم الثلاثاء في 30 سبتمبر 1969 التأم شمل فريق الخطف المؤلف من الروسيين كومياكوف الذي لم يفصح عن اسمه ولا عن وظيفته في السفارة، لكنه كان واضحاً أنه يشغل منصباً كبيراً في السفارة، وفاسيلييف، ومحمود مطر في شقة فاسيلييف في المزرعة، بينما النقيب حمدان التزم الشقة المستأجرة فوقها مباشرة، وبدأ بتسجيل كامل الحديث الجاري في شقة فاسيلييف. بدأ كومباكوف يشرح لمحمود مطر تفاصيل خطة الطيران المحددة على خريطة وضعت على طاولة الاجتماع، مفصلاً ساعة الإقلاع في تمرين عادي، طالباً اليه الاتجاه شرقاً، وأن يعلن بعد مغادرته الأجواء اللبنانية للقاعدة تعرض طائرته إلى خلل فني خطير، وأنه قفز من الطائرة، ثم يقطع اللاسلكي نهائياً مع بيروت...
وبعد إتمام البحث في التفاصيل الفنية، انتقلوا إلى بحث الثمن المالي فوضع كومياكوف على الطاولة شيكاً بقيمة مئتي ألف دولار، وكمية أخرى من الدولارات النقدية (بانكنوت) وأعلن لمحمود أن بقية مبلغ المليوني دولار، وضعت بالمصرف في سويسرا، وأن ترتيبات انتقال زوجته وابنه الى لندن بتاريخ يوم الخطف نفسه قد اتخذت وجوازات السفر مع حسن بدوي. عندها وافق محمود مطر على كامل الخطة، وقال أوكيه.
ولدى سماعي كلمة أوكيه انطلقت مع مجموعتي إلى المزرعة حيث المبنى الذي تجري فيه العملية، وكانت الساعة 19.20 تماماً، وأغلقت الشارع من الجهتين الجنوبية والشمالية، كما وضعت عناصر من الشرطة العسكرية على المدخل وأمرت بضبط حركة المصعد، لأن شقة فاسيلييف تقع في الطبقة السادسة وصعدت مع ثلاثة عناصر من الشرطة العسكرية منهم الرقيب الأول فاضل أسطفان الذي كان يحمل رشيشة نوع «بارتا» طليانية، وبوصولنا الى باب الشقة وقبل أن نقرع الباب انضم إلينا النقيب حمدان ومسدسه بيده، وهو يبتسم ابتسامة عريضة، تدل على مدى اعتزازه بنفسه على هذا الإنجاز الكبير ويريد أن ينهيه شخصياً، علماً انه لم يكن مسجلاً على لائحة مجموعة المزرعة التي كلفت بتوقيف الروسيين ومطر، ولم يطلب منه المشاركة بالمداهمة، لكنه اعتبر العملية أصبحت في دقائقها الأخيرة، وأحب المشاركة في إنهائها.
قرعت الجرس على باب شقة فاسيلييف وانتظرت بضع ثوانٍ، حيث سمعنا جلبة داخل الشقة، فقرعت الباب مرة ثانية وصرخت من الخارج «بوليس» ففتح الباب لمسافة عشرة الى 15 سنتيمتراً ليتأكدوا على ما يبدو من هوية الطارق، لكننا عباس حمدان وانا ضغطنا معاً لفتح الباب كاملاً، وتمكن عباس حمدان من وضع قدمه بين الباب وعتبته لمنع إعادة إغلاقه فإقفاله، ويظهر أن ضغطنا من الخارج كان اقوى من ضغط الداخل، وما هي إلا ثوان حتى انفتح الباب كلياً ووجدنا انفسنا داخل الشقة، وفي هذه اللحظة بالذات انطلق رشاش الرقيب الأول اسطفان بصورة عفوية دون أي أمر منا لانتفاء الحاجة لذلك، بدليل أن الرقيب الأول أسطفان أصاب نفسه في يده اليسرى كما أُصيب النقيب حمدان اصابات خطرة في بطنه، واصيب ايضاً الروسيان إصابات طفيفة عولجت في حينه في مستشفى الجامعة الأميركية. في الوقت عينه الذي كنت أعمل فيه على نقل الجرحى الى المستشفيات، خصوصاً نقل حمدان الى مستشفى الجامعة الأميركية لخطورة اصابته، كنت على خط آخر أفيد المقدم لحود عن الواقع المحيط بي لتدارك الوضع الإعلامي والسياسي، لأن أموراً كثيرة وخطيرة نشأت بعد الإطلاق العشوائي للنار داخل الشقة، كما عملت على ضبط كل الوثائق والخرائط والأجهزة التي وجدت على طاولة المحادثات بين مطر والروسيين، وأعلمني الملازم أول مطر الذي كان داخل الشقة وليس قريباً من الباب، ولم يصب بأذى، أن الروسي فاسيلييف ابتلع الشيك المسحوب باسم والده، وهو بقيمة مئتي ألف دولار أميركي، الشيء الذي حدا بنا إلى الإسراع الى مستشفى الجامعة الأميركية والطلب إلى الأطباء المعالجين إجراء غسيل معدة فاسيلييف وشفط ما فيها إلى الخارج، وهكذا أخرجنا الشيك مبللاً لكنه مقروء بسهولة، فجففناه وحفظناه كقرينة أساسية في الجرم المرتكب.