خواطر صعلوك

للأب الشاب... ومَنْ يوازيه!!

1 يناير 1970 02:04 م
رسالتي اليوم للآباء الشباب الغارقين في التفاصيل، والذين لم يؤدوا رسالتهم تجاه أبنائهم إلى الآن، أما الآباء الكبار فحتى لو انغمسوا في هواتفهم أو في ذكرياتهم، فقد أدوا لك حقك حتى تزوجت وأنجبت.. فسأخاطبك أنت لا هم.

سأخاطبك أنت.. في مقال «يدل دربه» ويعرف مساره.. لك أنت وبكل وضوح!

ها هو ابنك يقف أمامي الآن بعينين ذابلتين، ونفسية لا تثيرها كلمات التشجيع واستجابات محدودة لمهارات الحياة والتواصل، ونظرة مليئة بالغثيان تردد في السر (جميعكم أوغاد)!

أعلم يا صديقي أننا في زمن اختزالي كبير حيث اختزلت المعرفة في تغريدة، وتكثف الشارع والترفيه في مجمع تجاري، وتقلصت ثقافة الشعوب في صورة، وتكثف الدين في طائفة، واختزلت الكويت في مجلس الأمة، ولكن كان عليك ألا تسقط هذه المعايير على حياتك مع أبنائك، وقد حذرتك وحذرك غيري كثيرون بأن الزواج أكبر من غرفة نوم وثيرة، والمرأة أكبر من جسد، والبيت أكبر من مكان آمن لشحن الهاتف، وكلمة (تغيير جو) أكبر من سفرة لأوروبا، والسعادة أكبر من صورة في الأنستغرام، والقوامة أكبر من دفع الإيجار والأقساط وشراء الملابس، والثقافة أكبر من قهوة ورواية، وأنا أصغر من أن أفرض عليك فكرة أو تجربة في الحياة، ولكنها الحقائق التي يعرفها الجميع ورغم ذلك فقد تنكرت لها واعتبرتها حكماً ومواعظ وكلاماً من البرج العاجي.

كان عليك أن تبذل جهداً أكبر، فجميعنا يستطيع أن يلقي باللوم على زوجته والتي تلقي بالعمل على الخادمة، والتي بدورها تلقي بابنك في الهاوية.. تلك الخادمة التي في الواقع لا تكره ولدك، ولكنها من بيئة مختلفة، ومستوى وعي مغاير وطبيعة عمل لا تلزمها اعتبار أن مرحلة الطفولة تعتبر وقت البهجة والانطلاق والاستكشاف ، وكمية الخطر في أن يمضي الطفل وقتاً أقل في استكشاف العالم من حوله، ووقتاً أطول في مشاهدة التلفاز أو مقاطع اليوتيوب في تلفون الخادمة، وما معنى أن يتحرك الطفل في شبكات تواصل أقل عدداً وأقل مساندة مقارنة بأقرانه الذين يعيشون في مساحات آمنة وحريصة مع والديهم، لنصل إلى هذه اللحظة الدرامية والتي يقف فيها طفل بائس بعينين ذابلتين أمام كاتب.. أكثر بؤساً.

إنها لحظة ميلاد جيل بأكمله قرر بعض آبائه أن يغوصوا في حوض من التفاصيل، ويعطسوا في أحبار من الدساتير ليتابعوا أخبار الصناديق.. وينسوا أبناءهم! لحظة ما أن تستنشقها حتى تتقيأ، فعندما يعاني الإنسان من الجوع فينبغي أن يكون العلم هو الخبز.. وعندما يعاني ابنك من الوحدة فينبغي أن تكون رجلاً لتورثه هويتك التي ورثك إياها أبوك من قبل.. عدا ذلك أباطيل وأسمار.

يا صديقي راجع نفسك.. وقلّب في دفاترك القديمة، أو في دفاتر مدرستك، لربما تجد ما علمونا إياه يوماً مَنْ هم قبلنا (كلكم راعٍ وكل راع مسؤول عن رعيته)..

ألا تذكر يا صديقي ما قاله لنا يوماً مدير المدرسة عندما كنا صالحين (من أفضل الخدمات التي من الممكن أن يقدمها مجتمع لوطنه.. هي أن يحسن تربية أبنائه).

ابتسمنا.. واعتقدنا أننا ملكنا خزائن الأرض.. وها أنا أرى ابنك اليوم مشتتا لا يبتسم.

لست قاسياً عليك، كل ما في الأمر أنني مرآتك المهشمة والممسوخة حيث تشاهد فيها نفسك.. ونفسي!

****

قصة قصيرة:

في العمل تناديه (الأستاذ عبد العزيز) وهو شخصية محترمة وهي شخصية جادة.. وخارج العمل تناديه (عزوز) لأنه شخصية رومانسية وهي شخصية انتهازية.

كاتب كويتي

moh1alatwan@