مشهد / إعادة الاعتبار للادخار

1 يناير 1970 04:02 ص
الادخار عادة اقتصادية رشيدة يمارسها البعض من الأفراد في حياتهم، ويعرف بأنه فائض الدخل عن الاستهلاك، ويسميه البعض أيضا «الفائض».

فهل أنت من أولئك المدخرين؟ هل فكرت بأهمية الادخار أم أنك لا تلقي بالاً لذلك تطبيقا لسياسة «اصرف ما الجيب يأتيك ما في الغيب».

ألم يدر في ذهنك الوعيد الرباني {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} أو حين قال {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً}.

فالمال عصب الحياة وأحد مفاتيح الحياة الكريمة فيها ولا بد منه من أجل الاستمرار والبقاء، ولذلك فإنها تعتبر أهم عادة من الممكن أن يتحصل فيها المرء على المال بسهولة ويسر ودون عناء، وتجنبا لذل الاستدانة من الآخرين أو الاقتراض من البنوك وما يتبع ذلك من فوائد متراكمة وحمل شهري قد يشق عليه سداده، فيدخل في دوامة من المطالبات والملاحقات وقد تنتهي به في السجن أو على أقل تقدير؛ الإحساس الدائم بالكآبة بسبب هذه الأحمال الثقال.

وليس هنالك من شك أن أي شخص فينا يدرك أن المال هو أحد أسباب النجاح في الحياة، بل من دونه تكاد تنعدم أو تندر فرص تحقيق أي خطوة للإمام.

والذي لا يعرف هذه الحقيقة فمن المؤكد أنه يتجاهل أهمية المال في حياتنا اليومية وكيف أنه يعطينا الدفعة الأولى في التقدم نحو الصعود إلى القمة والنجاح بمختلف صوره، فهو مثل قوة الاحتراق التي تدفع الطائرة للإقلاع ثم ترتقي للأعلى بقوتها الذاتية يساعدها في ذلك قوة الهواء وانسيابية جسد الطائرة.

ولكن هذا لا يعني ذلك أن النجاح غير ممكن من دون مال ولكنه قد يتطلب مواجهة العديد من المصاعب في البداية ويحتاج من المؤهلات العلمية والعقلية والعلاقات الاجتماعية والتجارية الكثير.

ففوائد الادخار عديدة ويقع في مقدمتها الاحتفاظ بالقرش الأبيض لليوم الأسود من خلال تجنب المصاريف المالية الصغيرة والتي قد ترهق الميزانية الشهرية وكما يقال «النار تأتي من مستصغر الشرر»، فدوام الحال من المحال، ومن فوائده أيضا أنه يوفر الاستقرار المادي والنفسي لصاحبه، فوجود المال لدى أي فرد يضمن الشعور بالأمن والطمأنينة ويعزز الثقة بالنفس ويعين على التفكير بمنطق سليم بعيدا عن التأثيرات السلبية لانعدام المال والتي قد تدخله في حالة من الكآبة وقصر اليد والإحساس بالعجز وعدم القدرة على تلبية متطلباته وحاجات أسرته، كما أنه بلا ريب أحد أسباب النجاح بل يكاد يكون أول أسبابها، ولا نقصد وفرة المال وكميته بقدر ما نفترض وجود ما يكفي للبدء في أي خطوة نحو النجاح.

إن حسن إدارة المال مهارة مكتسبة ويجب أن يتعلمها الفرد ويؤمن بأهميتها ويأتي الادخار في مقدمة هذه المهارات التي إن افتقدها الغني أو الفقير قد يقع في مشاكل عديدة هو في غنى هنا.

فالمال زائل ونمط حياتنا الاستهلاكي نمط مدمر لكل رب أسرة إذا لم يستطع أن يقود سفينته بحنكة القائد وحزم الأب، فلقد دخلت في حياتنا أنماط استهلاكية لا حصر لها وكلها أمور ثانوية وبعيدة كل البعد عن الأساسيات التي تستقيم بها الحياة وتزهو.

نعم إن الإنفاق يحتاج للحكمة والمهارة ولا شك أن ديننا الحنيف قد رسم لنا قواعد كثيرة واضحة وضوحا لا لبس فيه في أن الإنفاق في أوجه الخير سيجلب معه الخير العميم، ولكنه أكد على أهمية تفادي الإسراف والوقوع في ما يغضب الله.

ومن أجل أن ندخر لا بد من تطبيق بعض القواعد التي تعين على تحقيق هذا الهدف الكبير حتى وإن كان المبلغ المدخر قليلا، ولكن قد يقول قائل ان الادخار للميسورين فقط من أصحاب الأموال والأطيان وأن الفقير المعدم أو أولئك النفر

من أبناء الطبقة المتوسطة لا يكاد الدخل الشهري يكفيهم فكيف لهم أن يدخروا مالا ويحتفظوا به لمدد طويلة... وهذا أمر قد جانبه الصواب، فكل شخص يستطيع التوفير لو وضع نصب عينيه أهمية هذه الكمية من المال وإن كانت ضئيلة.

ومن أهم تلك القواعد الذهبية...

أن الادخار لا يكون قصرا على رب الأسرة فقط بل يجب أن يشمل كافة أفراد الأسرة بمن فيهم الزوجة والأولاد، وهذا يتطلب

أن يكون الأبوان على قناعة تامة بالموضوع وأن تكون لديهم القدرة على تدريب أبنائهم وتنشئتهم على إدارة مصاريفهم اليومية أو الشهرية.

كذلك التقليل من شراء الحاجيات غير الضرورية والتي يقوم البعض بها من أجل المباهاة أمام الآخرين وإبهارهم فحين تقع أرضا قد لا تجد يدا تمد لمساعدتك، فاعمل جاهدا لتستغني عن الناس وإن كان ذلك صعبا جدا ودع عنك الناس وما يظنونه، فأنت المسؤول عن رعيتك وسيحاسبك الله على ما أنفقت وأسرفت في غير مرضاة الله وطاعته. وأيضا فالادخار قد يكون على مستوى الأسر والمجتمعات وحتى الدول الكبيرة وليس الأفراد فقط وذلك من خلال صناديق الأجيال القادمة الاستثمارية وما شاكلها.

وأخيرا فإن الادخار يجب أن يكون عادة منتظمة وليست منقطعة كأن تكون أسبوعية أو شهرية، أما العشوائية في التوفير قد لا تكون ذا فائدة ترجى وسيكون من السهل التوقف عنها عند أول امتحان عسير.

وكما يقول المثل الصيني الشهير: «الرجل المدّخر يصبح رجلا حرا»... ولهذا إن كان ثمن الحرية بضع دراهم نوفرها كل شهر فإن ذلك سيكون ثمنا زهيدا.