هولاند وبوتين... وردّ ستالين على البابا
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
06:47 ص
يبقى الموقف الذي اتخذه الرئيس فرنسوا هولاند من الحملة الوحشية التي يشنّها سلاح الجو الروسي بدفع من الرئيس فلاديمير بوتين، على حلب، مجرّد موقف أخلاقي. السياسة شيء والأخلاق شيء آخر. اين يمكن صرف المواقف الأخلاقية والمبدئية في المجال السياسي، خصوصا عندما يتعلّق الامر بمأساة لا سابق لها مثل المأساة السورية؟ ما الذي ستجنيه حلب نتيجة المواقف الجريئة لرئيس فرنسي عاجز يعاني، في السنة الأخيرة من ولايته، من فقدان التأييد الشعبي في فرنسا نفسها؟
المسألة السورية ليست مرتبطة بفرنسا وحدها. اين أوروبا مما يدور في هذا البلد؟ كشفت سورية أوروبا. كشفت عمليا الإفلاس السياسي والعسكري لاوروبا. لم يعد لاوروبا وزن على الصعيد العالمي. ليس امام أوروبا سوى التزام موقف المتفرّج، للأسف الشديد، والعمل في الوقت ذاته على الحدّ من تدفق اللاجئين السوريين في اتجاهها.
هذا كلّ ما تستطيع أوروبا عمله بعدما تبيّن ان إدارة باراك أوباما تصعّد كلاميا وتسير عمليا في الخط الروسي. صار وزير الخارجية الاميركي جون كيري مجرّد مهزلة مقارنة بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي يعني كلّ كلمة يقولها. اكثر من ذلك، تبيّن ان على أوروبا السعي، في الخفاء أحيانا وعلنا في أحيان أخرى، الى مراضاة ايران بوجود إدارة أميركية لا همّ لديها سوى حماية الاتفاق في شأن الملفّ النووي الايراني. هذا الاتفاق الذي يعبّر عن تواطؤ لادارة أوباما مع ايران تدفع ثمنه سورية.
من اصل تسعة مستشفيات في حلب، قصف سلاح الجو الروسي ستة منها ودمّرها تدميرا كاملاً. ممنوع على اهل حلب حتّى معالجة جروحهم. عليهم الاستسلام للنظام السوري، وهو نظام اقلّوي، يحظى بغطاء جوّي روسي، تمثّله على الارض مجموعة من العصابات المسلحة مضاف اليها ميليشيات مذهبية عراقية ولبنانية وحتّى افغانية أتت بها ايران الى محيط حلب ودمشق والمدن ذات الاكثرية السنّية مثل حمص وحماة.
وضع هولاند شروطا على بوتين من اجل زيارة باريس. رفض بوتين هذه الشروط واللغة التي استخدمها الرئيس الفرنسي. كلّ ما يريده الرئيس الروسي هو تدمير حلب وذلك بالتنسيق الكامل مع ايران. ليس بالكلام وحده يمكن حماية حلب احدى اقدم الحواضر في العالم. ليس بالاخلاق يمكن ضمان حق الشعب السوري في تقرير مصيره.
كلّ الكلام الجميل الذي صدر عن فرنسا بقي كلاما جميلا. في المقابل، عندما وجد بوتين ان النظام السوري سيسقط نهائيا وان بشّار الأسد سيجد نفسه مضطرا لمغادرة دمشق حيث تحميه ايران، تدخل مباشرة. كلّ كلام عن تناقضات بين ايران وروسيا هو كلام في غير محله، اقلّه في الظروف الراهنة. لدى الجانبين مصلحة واحدة في المحافظة على النظام، على الرغم من انّه صار في مزبلة التاريخ وانّ لا مهمّة له في المدى المنظور سوى الانتهاء من سورية التي عرفناها. يبدو ان ذلك هدف الأسد، كما هو هدف ايران وروسيا وإسرائيل وتركيا والإدارة الأميركية.
لا تستطيع أوروبا ان تفعل شيئا في مواجهة هذا الواقع. لذلك، يبدو كلام هولاند اقرب الى لعب في الوقت الضائع في انتظار إدارة أميركية جديدة يصعب التكهّن بانّها يمكن تغيّر شيئا في الواقع السوري.
تشبه تصرفات بوتين في سورية تصرّفات ستالين. عندما قيل للزعيم السوفياتي الراحل ان بابا الفاتيكان يشكو من القمع الذي يتعرّض له الكاثوليك في الاتحاد السوفياتي، كان ردّه: «البابا؟ كم فرقة عسكرية يمتلك البابا»؟... يستطيع الرئيس الروسي السؤال حاليا عن تأثير فرنسا في سورية ومدى قدرتها على ممارسة أي ضغوط من ايّ نوع على بلده. ما دام ليس لدى فرنسا سوى الكلام، يمكن لزيارة باريس ان تنتظر طويلا. لم تعد الزيارة تقدّم او تؤخّر في شيء.
في النهاية، كم فرقة عسكرية تمتلك أوروبا؟ الجواب ان أوروبا تمتلك قدرات عسكرية، لكنّها ليست قادرة على التدخل في سورية. تستطيع فرنسا التدخل في مالي او في احد البلدان الافريقية. تبقى سورية شيئا آخر مختلفا جدّا. هناك لعبة كبيرة تدور في سورية حيث قررت أوروبا، على رأسها المانيا، الاستسلام لروسيا وايران مع ما يستتبع ذلك من كوارث تحلّ بالمنطقة. كوارث تحل باليمن والعراق، وصولا الى لبنان الذي تستخدمه ايران منبرا لمهاجمة المملكة العربية السعودية، فيما تتابع جهودها لفرض هيمنتها عليه.
يظلّ السؤال الكبير هل هناك من يريد بالفعل مساعدة سورية والسوريين، ام انّ كل ما يفعله هولاند يندرج في خانة رفع العتب من جهة والسعي الى استعادة موقع في فرنسا نفسها من جهة أخرى.
هناك الأشهر الأخيرة من ولاية أوباما. هذه فرصة لا تعوّض لوضع الإدارة الأميركية الجديدة امام امر واقع. والامر الواقع هو تفاهم روسي ـ إيراني على تقاسم للنفوذ في سورية. يحصل ذلك بموافقة إسرائيلية يعبّر عنها التنسيق المستمرّ بين بوتين وبنيامين نتنياهو الذي ازدرى دائما أوباما. فكيف يمكن لشخص عرف حجم الرئيس الاميركي باكرا ان يتعاطى باحترام مع رئيس لفرنسا مثل هولاند؟
يبقى ان هناك من يراهن على الموقف التركي وان الرئيس رجب طيب اردوغان لا يمكن ان يبقى مكتوفا لفترة طويلة حيال ما يدور في حلب. هل هذا رهان في محلّه؟ من الصعب الذهاب بعيدا في مثل هذا النوع من الرهانات لا لشيء سوى لان روسيا استطاعت، بالتنسيق مع ايران، تدجين تركيا أسيرة عقدة الورقة الكردية. تلعب روسيا وايران مع تركيا لعبة العصا والجزرة. يأتي بوتين الى إسطنبول للمشاركة في مؤتمر ينعقد فيها ولقاء اردوغان، فيما يقاطع الرئيس الايراني حسن روحاني المؤتمر!
من الواضح، ان تركيا تعاني من حال ضياع، خصوصا في الموضوع السوري. الأكيد انّها لم تستطع، الى الآن، رسم سياسة واضحة تجاه بلد لديها معه حدود مشتركة يزيد طولها على 900 كيلومتر. لو كانت لدى تركيا سياسة مدروسة تجاه سورية، لكانت عملت بدورها على فرض امر واقع. كان مفترضا ان تفعل ذلك باكرا. كان عليها إقامة «منطقة آمنة» في الأراضي السورية، لكن إدارة أوباما لم تسمح لها بذلك.
يظلّ مشروع «المنطقة الآمنة» المشروع الوحيد ذا الطابع العملي. كلّ ما يمكن لتركيا ان تفعله هو السعي منذ الآن الى اقناع الإدارة الأميركية الجديدة به. تستطيع الاستعانة بفرنسا وغير فرنسا لتحقيق هذا الغرض من جهة وإبلاغ بوتين وايران ان هناك ردّا على مشروعهما الهادف الى تقاسم النفوذ في سورية بغطاء إسرائيلي من جهة اخرى.
في غياب القدرة على ترجمة الكلام الجميل الى واقع على الارض، يبقى الكلام الجميل مجرّد كلام. يبقى ان على هولاند، قبل ان يقول كلاماً كبيراً عن بوتين، ان يتذكر رد ستالين على البابا.