خواطر صعلوك

الراكضون نحو أمهاتهم!

1 يناير 1970 11:29 ص
يقول لي ساخراً: لماذا دائماً تركض في مشيتك وقراراتك وحتى في مقالاتك! هل تبحث عن شيء؟

ولقصة كوني من الراكضين في الأرض حكاية ربما يراها البعض ظريفة، وربما يراها البعض سخيفة، وربما يرى فيها البعض نفسه، ولا أدري لماذا عليّ أن أقولها لك عزيزي القارئ؟ لعلي بدأت أشعر بالتعب من الركض، أو لعلي أريد أن ألتقط أنفاسي في مساحة بدأت أشعر أنها تضيق علينا جميعا كجدران أسمنتية تتحرك من جهاتها الأربع! أو لعله الرثاء فقط... من دون مبررات.

في السوق:

عندما كنت صغيراً جداً بعمر هر، ضعت من أمي في سوق شعبي ممتد ومزدحم بأفواج من البشر، كنت خائفاً وللمرة الأولى بدأت أركض في غير وقت اللعب! نظرت في جميع الوجوه لعلي أجدها، فإذا تشابه الشكل عليّ...أتوقف لأبكي، ثم أعود لأركض ، وفجأة وجدت نفسي أقف أمام باب دكان للعطارة، مازلت أذكر رائحة التوابل ووجه البائع وشكل الباب، خرج البائع واعطاني ماء، شربت ثم ركضت مرة أخرى وكأني في ماراثون تتابع! فإذ بيد أمي توقفني وتقول لي (أين كنت؟ توقف عن الركض) ارتحت، بكيت، وعندما نمت، تذكرت جميع الوجوه وجميع الروائح... ونسيت وجه أمي.

في الشارع:

عندما بدأت أخرج إلى الشارع وحدي كأي طفل كبير، وتم ضربي للمرة الأولى من أطفال الجيران وهي مثل كل أول مرة لكل أحد، لم أبكِ. بل ركضت بقوة 40 حصاناً من دون توقف، ثم طرقت الباب وأنا أضرب الأرض بأقدامي وكأني ما زلت أركض، ارتميت في أحضانها... وبكيت. وتوقفت عن الركض.

في المراهقة:

عندما كبرت قليلاً بعمر طاووس، وتعلمت كيف ادحرج الكرة بقليل من المهارة، دخلت نادياً رياضياً، كان المدرب يأمرني أن أركض ومساعد المدرب يأمرني أن أركض، مشرف الفريق وأصدقائي اللاعبون الأساسيون والاحتياط، الجميع كان يأمرني أن أركض، وحتى في المدرسة المتوسطة حيث كنت فاشلا بامتياز، جعلوا مني المسؤول الأول في جمع وحصر غياب جميع الفصول التي كنت أركض حولها... عند أمي فقط كنت أتوقف عن الركض.

في الجامعة:

في المرة الأولى أصبحت من أوائل الطلبة المتفوقين، كانت صدمة بسبب تاريخي في الفشل! ركضت بين زملائي لأخبرهم، استغربوا، اندهشوا، أبدى بعضهم عين الحسد... ربما قال بعضهم (منها للأعلى)، ركضت إلى أصدقائي وركضت إلى جيراني، ركضت وأخبرت الجميع، وعندما أخبرت أمي همست في أذني بكلام لم أعد أذكره، ولكني أذكر أني لم أعد أركض لكي أخبر أحداً.

في غرفة الطبيب:

عندما أخبرني الطبيب قائلاً «ليس أمامها الكثير... بضعة أشهر فقط» لعنت الطبيب، ولعنت أبقراط وأصحاب المعاطف البيضاء... ثم اعتذرت! وخرجت من الغرفة وركضت في الممرات وبين المرضى والأصحاء وكأني أريد من أحد أن يقول لي (توقف!!) وحالي كحال طفل على الشاطئ يلوح بيده لسفينة عظيمة عابرة كل مَنْ على سطحها لا يلاحظه، فركضت متجها للباب الرئيسي للمستشفى،اصطدمت بأمي عند الباب كالجبل بعينين راسختين، قالت لي (توقف... وتعلم ألا تركض عندما تشتد الأمور). توقفت.

عند القبر:

في مثل هذا اليوم أو في مثل هذه الأيام، لم أجرؤعلى حثو التراب، وتسمرت في مكاني وتزاحم عليّ دعائي، فأصبحت أدعو بسرعة، وكأني أريد أن أطمئن عليها هناك لكي اتوقف عن الركض هنا..دعوت، رششت الماء، لم أضع باقة من الزهور، تكلمت وسألتها، وعندما لم أجد إجابة... ركضت وركضت. وما زلت أركض حتى الأن.

اسمح لي عزيزي القارئ على كمية الركض عبر الذاكرة التي ملأت بها المقال، فقط أردت أن أقول: رحم الله أمهاتنا اللاتي رحلن، وأطال الله في عمر أمهاتنا اللاتي بيننا، فمن أكبر النعم أن نعلم أننا لن نتوقف ونرتاح إلا عند أمهاتنا اللاتي هن بيننا... ومن أكبر خدع الشيطان أن تعتقد أنك ربما تتوقف عن الركض يوما إذ لم تكن بيننا.

كاتب كويتي

moh1alatwan @