خواطر صعلوك

أفتوني في شكواي!

1 يناير 1970 06:09 م
أعزائي القراء، أفتوني في شكواي فقد جاءتني رسالة من وحي خيالي كاتبها يعيش في بلاد لا يستدل عليها بالخرائط ولكن بالقلوب، يقول فيها شاكياً وطالباً الفتوى في شكواه:

ابني يريد مني أن أشتري له فيلا صغيراً، وكل محاولاتي باءت بالفشل لإقناعه أن البيت بالكاد يكفينا، ثم إنني كيف سأوفر وجبة فيل على امتداد الشهر، إضافة إلى وجبة الأفيال البشربة التي عندي؟

ولكنه رغم صغر سنه إلا أن عقله يوزن 25 ألف دينار أيام التسعينات، فطلب مني أن أكون من ضمن الوفد (المنافق) لأي مسؤول لا يسمع إلا للدائرة المقربة ولا يرى إلا مربعات خانات الأرقام ولا يشم رائحة الجنة وبالتأكيد سيتدبر أمر الفيل في بيئة كهذه. فاندهشت وتعجبت واستعوضت الله في تربيتي التي ضاعت هباءً منثوراً.

فقمت بمراسلة جميع حدائق الحيوان القريبة والبعيدة والعابرة للقارات، على أساس أنني كويتي (لأنهم يعتقدون أن كل كويتي مليونير وليس مديونيراً، رغم أن الحقيقة هي أن غالبيتهم تصبح على خير)، وطلبت منهم أن يزودوني بمواصفات فيل مميز، وأني على استعداد أن أشتري، ثم وصلتني تقارير عديدة لأفيال على اختلاف دولهم ومناطقهم، ولكن لفت انتباهي مواصفات هذا الفيل.

يقول التقرير (يقضي هذ الفيل عمره في المضغ لكل ما هو حوله، ويستطيع بذكائه وقدرته على التعلم واكتساب المهارات القانونية أن يقوم باستخدام خرطومه في الأغراض المختلفة مثل الأعمال الإدارية والبهلوانية الرائعة، كما يستطيع أن يفتح الأقفال وهو الأمر الصعب بالنسبة لغيره من الحيوانات).

وتتميز أقدامه بأنها مسطحة، ويرجع ذلك لوجود لوح غضروفي (عروقه بالماي) تحت الإبط يساعد على امتصاص الصدمات وكشف الحفر والمشي بهدوء، كما تتسم سيقان الفيلة بأنها أكثر استقامة من سيرتها العطرة عند الحيوانات الأخرى، وتصل درجة كفاءة دعم هذه السيقان لوزن الفيل إلى تمكينه من النوم واقفاً على صدر الوطن، وحمل كل ما ثقل وزنه وثقل ثمنه على ظهره.

ومن مميزات هذا الفيل أنه قادر على التلون مع أي لون مائع أو رمادي تفادياً للصيد وهو الأمر الذي استغربه (تشارليز دارون، وتشارلك هولميز) ويملك هذا الفيل ذاكرة قوية تعينه على أن يعي الأماكن المسموح باللعب فيها والأشخاص المسؤولين عنها.

ويستفيد بذاكرته تلك في الوصول إلى موارد الماء والكلأ والنار في فترات الجفاف والتقشف التي قد تمتد لسنوات، ولدية حاسة شم قوية تمكنه من شم رياح الخصخصة والثغرات القانونية والأخبار للتعرف على مصادر المياه والبترول، وهذا الفيل قوي جداً ولا يخشى حتى الأسود، ولكنك تستطيع أن تسيطر عليه وتحجمه من خلال الرقابة، لأن الفيلة عموماً لا تحب أن يراقبها أحد، وذلك لأنها تحب التمرغ في الوحل والطمي ورش التراب على ظهورها فذلك يحميها من ضربة الشمس، ومن ضربة المطاعة!!

وهذا الفيل من سلالة فيلة عرف عنها أنها عندما تكون في أوج قوتها فإنها تظهر في صفحة الاقتصاد وعندما يسقط اللوح الغضروفي الذي تحت الإبط تجدها في صفحة الحوادث، وقد تموت هناك وبتراكم العظام يصبح ما يسمى مجازاً بمقبرة الأفيال.

وقد أعجب ابني بمواصفات هذا الفيل فوجدته قد أخذ وضعية زرقاء اليمامة في الحديث وقال لي بصوت مليء بالحكمة (عليك أن تشتري هذا الفيل يا أبي)، ثم اتصلت بالجهة التي أرسلت التقرير وسألتهم عن سعره وأماكن تواجده، لنكتشف أنه رخيص جدا وأنه منتشر جداً وضار جدا، ولذلك فقد امتنعت الجهة التي أرسلت التقرير عن إرسال الفيل وقالت لي (عندكم ما يكفي).

وعندما سألت ابني عن إصراره على شراء هذا الفيل بالذات قال لي (هناك أناس عندهم أفيال ورغم ذلك فلم يقل لهم أحد ما الذي تفعلونه، وكثير من أصدقائي في المدرسة يريدون أن يشتروا فيلاً هذا الصيف، وقد اتفقنا على قاعدة أنه من الأفضل أن يكون في بيتك فيل، خيراً من أن تكون أنت وبيتك في بطن الفيل، ورفعنا شعار أطعمونا من (الكيكة) قبل أن نأكل هذا الوطن)، فاستعوضت الله مرة أخرى في تربيتي التي ضاعت.

والسؤال الأن:

من المسؤول عن رغبة أبنائنا في أن يكونوا فيلة أو يملكوا فيلاً؟ أفتوني في شكواي أثابكم الله، وأقسم لكم بالله أنها ليست أضغاث أحلام.

كلمة عريضة المنكبين:

آخر ما توصل له علم النفس الارتقائي هو أن السلوك ينتج عن التفاعل بين عوامل الوراثة وعوامل البيئة، والـ DNA يفسر ما بين 30-50 في المئة من السلوك ما يترك ما بين 50-70 في المئة من السلوك لتأثير البيئة، فحتى لو كان ما ورثه لنا أجدادنا هو المجد والشرف... فالبيئة السيئة قادرة على هدمه.

كاتب كويتي

moh1alatwan@