رمضان في أدب محفوظ

حسين وعايدة يجاهران بالإفطار دون شعور بالذنب / 23

1 يناير 1970 06:22 م
| القاهرة - من مصطفى بيومي |
ليس مثل نجيب محفوظ في تعبيره عن أجواء الحياة المصرية بكل أشكالها ومضامينها وتفصيلاتها وأسرارها بعمق تاريخي يبدأ من نهايات القرن التاسع عشر، إلى مشارف القرن الحادي والعشرين.
ولشهر رمضان مكانته السامية في الواقع المصري، ويتأثر ايقاع المصريين بالمتغيرات الروحية والمادية التي تصاحبه، وهكذا ينتقل هذا التأثر إلى الحرف والكلمة... إلى القصة والرواية... وإلى كلمات الشعراء... وأعمدة الكتاب.
الأغلبية العظمى من الصائمين، والأقلية النادرة هي المفطرة، لماذا تفطر هذه الأقلية؟ وما أسبابها ودوافعها؟ وكيف يتم التعامل مع الشهر الكريم في الاطار الاجتماعي، وكيف يتعامل الناس مع طقوس الصيام والإفطار... والزيارات الرمضانية... والموائد... وحلوى رمضان... وسهرات الشهر الكريم؟
أسئلة نبحث عن اجاباتها، ودلالاتها، في العالم الثري لنجيب محفوظ.
هذا العالم المحفوظي... الذي إذا تابعته ستجد أنه لم يترك شاردة ولا واردة، إلا وتعرف عليها... وحكى تفاصيلها... وقربنا من شخوص يعرفوننا عليها.
«الراي» اقتربت من عالم محفوظ وتعرفت على ما فيه وما يخص الشهر الكريم وتعالوا نقترب أكثر.


ونكمل الصورة الرمضانية في كتابات محفوظ ... وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا يفطر الشقيقان الشابان حسين وعايدة شداد، ويجاهران بالإفطار دون شعور بالذنب أو تأنيب الضمير؟!
نستطيع التماس الاجابة عن ذلك السؤال، بالنظر إلى ظروف النشأة الأسرية، فقد سلم قيادهما مبكرا إلى غربيين لايعرفون عن الاسلام شيئا، ولا يهتمون بمعرفة غيرهم، كما غابت القدوة المفترض تقديمها من الأب والأم، فنشأ كلاهما بعيدا عن أحضان التربية الدينية، كأنهما ليسا من المسلمين!
هل يصوم الوثنيون؟
ماذا عن نشأة عايدة وأسلوب تربيتها؟!: «ألم تقل يوما إنها تحضر دروس الدين المسيحي في الميردي دييه وأنها تشهد الصلاة وتترنم بأناشيدها؟، ولكنها مسلمة! مسلمة رغم أنها لا تعرف عن الاسلام شيئا يذكر»!
ويدلي حسين بشهادة حاسمة، أقرب إلى الاعتراف: «أليس غريبا ألا نعرف عن ديننا شيئا ذا بال؟!
لم يكن عند بابا أو ماما معلومات تستحق الذكر، وكانت مربيتنا يونانية، وعايدة تعرف عن المسيحية وطقوسها أكثر مما تعرف عن الاسلام، نحن بالقياس إليك في حكم الوثنيين...»!
أي إسلام تربت عليه عايدة، حتى تشب ملتزمة بالصيام؟. تحضر دروس الدين المسيحي، وتترنم بأناشيد الصلاة المسيحية، ولا تعرف عن الاسلام شيئا يذكر، لا ثقافة دينية إسلامية صادرة عن الأب والأم، والمربية يونانية مسيحية لا تملك أن تعلم ما تجهله، والشقيقان في الجملة أقرب إلى الوثنية، بالقياس إلى العاديين من المسلمين، ومنهم كمال عبدالجواد قبل أن يتغير مساره!
وهل يصوم الوثنيون؟!
الموضوعية تحتم الاشارة إلى أن مثل هذا السلوك اللاديني كما يتجسد في حسين وعايدة، لا ينطبق بالضرورة على كل من ينتمون إلى الارستقراطية،
لكنه قائم بين أفراد من أبناء هذه الطبقة، ومرد ذلك إلى التنشئة الغربية سالبة الهوية والانتماء.
والسيجارة في فمه!
عايدة شداد وشقيقها حسين، في «قصر الشوق»، ليسا وحدهما من يستهينان بفريضة الصيام لأسباب تتعلق بالتنشئة الأسرية السلبية، ففي «حديث الصباح والمساء»، تظهر شخصية عفت عبدالعظيم داود، التي تقترب ملامحها من عايدة.
فهي متفرنجة مستغربة جاهلة بالمبادئ الأولية للعقيدة الاسلامية التي تنتمي اليها، ولم يتغير شيء من سلوكها بعد الزواج من رجل ملتزم بالتعاليم الدينية، وحريص على أداء الفرائض: «فلم يجرؤ الشاب على تذكيرها بأن الصوم واجب في رمضان، وصام وحده معتمدا على نفسه في إعداد سحوره»!
عفت ليست ملحدة أو كافرة، لكنها ـ في بساطة ـ لم تتعود الصيام بحكم النشأة، ولا تجد في نفسها القدرة على أن تتعوده... زوجها مسلم متدين، لكنه يفشل في تغيير سلوكها بعد زواجهما، فهي التي تفرض الايقاع.
وعندما يحل رمضان، لا يتغير شيء في النظام المعتاد، فيتحمل الزوج الطيب وحده مسؤولية اعداد سحوره!
نشأة الارستقراطية عفت عبدالعظيم، لا تختلف كثيرا عن عايدة شداد، وإلى الاطار نفسه تنتمي أسرة جمال بك اسماعيل، أو تحاول أن تنتمي، في قصة «صباح الورد»
الإفطار علنا
في رمضان، لم يكن الابن، عثمان جمال اسماعيل، يبالي أن يسير والسيجارة في فمه... قالت لي أمي:
- كريمة هانم لا تصوم ايضا.
- وجمال بك؟
- لا أدري... ولكن المعقول أنه يصوم.
الأسرة كلها لا تصوم، بل إن الابن يجاهر ـ دون خجل ـ بالإفطار علنا، وبأسلوب استفزازي لا يلقي بالا إلى مشاعر الصائمين.
أسرة جمال إسماعيل لا تنتمي إلى الارستقراطية، فهي أقرب إلى الطبقة المتوسطة، وسلوكها المستغرب نابع من التقليد والمحاكاة، مع مسحة من البجاحة الاستفزازية، قد يكون مفهوما أن يفطر عثمان، لكن غير المبرر أن يستفز المشاعر، ويدخن في الشارع علنا.
فتور وإفطار
في القصة نفسها، لا يهتم سامح شكري بهجت بالدين، أما أصغر ابنائه، شكري، فينتمي إلى الجماعات الاسلامية المتطرفة، الابن يصارح والديه بأنهما ينتميان إلى الاسلام شكلا، فهما لا يصليان ولا يصومان، فضلا عن شرب الخمر، الأب والأم ليسا متدينين، وهما في الوقت نفسه ليسا ضد الدين «لا يضمران للدين شرا ولا خيرا، لا يشغل لهما بالا، ولا فلسفة وراء ذلك».
الفارق كبير ودقيق بين ضعف العقيدة وانكارها، والذين يهملون أداء الفروض الدينية ليسوا كفارا بالضرورة أو رافضين للدين، لكنه الإهمال الذي يقود إلى اللامبالاة.
النموذج الأفضل لذلك النمط، هو ما يرصده نجيب محفوظ من خلال شخصية عزت عبدالباقي في «عصر الحب» أمه «الست عين» متدينة ورعة، والشاب نفسه ليس ذا موقف سلبي من الدين، لكنه يتخلى عن أداء الفروض،: «ولا دخل للتفكير في الموضوع كله، فهو لا يفكر ما هو إلا فتور في الشعور أخمد الحماس واليقين فتهاوت أركان المعبد، كف عن الصلاة والصيام ولكنه احتفظ بسر ذلك لنفسه».
نشأ عزت في بيئة متدينة، وأمه من علامات الصلاح والخير في الحارة الشعبية، لكنه انحرف عن المسار، وسيطر عليه الفتور، وهو ما قاده إلى انكار رمضان، يفطر سرا، تجنبا لإغضاب أمه، وليس من تفسير لسلوكه اللاديني إلا تهافت العقيدة من ناحية، وعجز الإرادة عن مقاومة الشهوات من ناحية أخرى.
الاستهتار بالدين لا يعني إنكاره، واللامبالاة تقود قطاعا من المسلمين الى ارتكاب المخالفات والمعاصي، دون أسس فكرية أو عداء أصيل لفكرة الدين، وما أكثر أشباه عزت عبدالباقي في أدب نجيب محفوظ.
«وللحديث بقية»