لغة الأشياء
للصبر مذاق غريب!
1 يناير 1970
02:19 م
| باسمة العنزي |
«فجأة فقدت الإحساس بجسدي كله ما عدا ما فوق الكتفين، واقتصرت قدرتي في الحركة علي عيني وفمي وحسب، ولم تكن لي قوة حتي علي حك أنفي!»*.
عندما قرر المثقف العماني محمد عيد العريمي البوح بعد عشرين عاما من الصراع مع الإعاقة، بما حدث له كان يملك من الشجاعة والصراحة ما لا يمتلكه الكثيرون، سيرته الذاتية عن الشلل الذي افترس جسده أثر حادث أليم كانت رغبة بالتطهر والإزاحة حسب قوله. لكنها رغبة أفضت لنتاج مهم على المستوي الثقافي الخليجي.
«قد يعزى تأخري في الكتابة عن تجربتي هذه إلي الخوف من استعادة تفاصيل أيام، كانت هي الأسوأ في حياتي، لا سيما تلك المرتبطة بمعاناة السنوات الأولى، الأكثر ألما، الأكثر ترسخا في ذاكرتي، إلا أن تواضع قدرتي على صياغة هذه التجربة و بلورة عناصرها المختلفة في قالب أدبي، يتيح لي التعبير عن مختلف مكامنها، المظلمة منها والمشرقة من دون الوقوع تحت تأثير وجع المعاناة الشخصية ومن ثم الانحراف عن مصداقية البوح، كان وراء ترددي في خوض تجربة كنت أظن أني لست مؤهلا لها!»*.
عندما قرأت كتاب سليمان المعمري وعبد العزيز الفارسي الجديد (ليس بعيدا عن القمر)، وهو عبارة عن حوارات في القصة العمانية، لفت انتباهي وبشدة اللقاء مع الروائي محمد العريمي وبخاصة عنوان كتابه (مذاق الصبر)، كيف يكون مذاق الصبر؟!
كقارئة شعرت بالتقصير لعدم اطلاعي على تجربة العريمي وفي الوقت نفسه، كنت متشوقة لقراءة مختلفة عن تلك السيرة التي حققت نجاحا وانتشارا لم يتوقعهما المؤلف، بخاصة أن أجزاء من الكتاب أصبحت تدرس ضمن منهج اللغة العربية للصف الثاني عشر في عمان، والكتاب طبع للمرة الثالثة.
عندما تلقفت الكتاب لم أقاوم البدء في قراءة فورية، وفي كل صفحة من سيرة العريمي، كنت أشعر أن للصبر أنواع وأشكال ومذاقات عديدة لا يدركها سوى من أهدته الأقدار وجعا لا يحتمل.
السيارة التي انزلقت نحو جملين في الطريق ما بين صور ومسقط، مما أدى للاصطدام بأحدهما ليرتفع عاليا ويرتطم بسقف سيارة المهندس الشاب الذي لم يمضي على زواجه عام، والذي تغيرت أغلب تفاصيل حياته بعدها.
«بيد أن ذلك الطريق,الذي قطعته ذهابا وايابا مرات كثيرة خلال الأشهر القليلة الأخيرة، أثناء عملي بحقول النفط في الصحراء العمانية، ما زال بعد مرور أكثر من عشرين عاما من ذلك التاريخ يتراءى لي في منامي، أري سيارة إسعاف تسير في طريق متعرج بين جبال شاهقة شديدة السواد تشبه إلى حد ما طريق (وادي العق)، الذي سلكته سيارة الإسعاف في ذلك اليوم!»*.
سيرة العريمي التي تستثير حزن وألم القارئ أثناء فعل القراءة وتخلف الكثير من التساؤلات والملاحظات، تخرج من كونها سيرة شخصية ممتزجة بأجزاء أخرى من سير البشر في مواجهتهم لأقدارهم الصعبة وظروفهم القاسية، العريمي تصالح من الإعاقة واستمر في العمل والكتابة وممارسة حياته، بما تفرضه أحوال الجسد الجديدة، روحه المفعمة بالتحدي والأمل اجتازت دربا وعرا سقط الكثيرون تعبا ويأسا في منتصفه، الإرادة التي ازدادت جذوتها ساعدته في تخطي الكثير و إيجاد حلولا بديلة لمعضلة قديمة.
«فما دمت أتمتع بسلامة العقل و عافيته- وإن فقدت القدرة على الحركة- فان وجودي لا تحدده انطباعات ومفاهيم ضيقة تعتقد أن كمال الإنسان يكمن في كمال جسده، وإنما يحدده فعلي وقناعاتي تجاه نفسي أولا وتجاه الآخرين. والعقل هو أساس القدرة على فعل الحياة واقتناص أجمل ما فيها»*.
نظرة الآخرين تجاه المعاق من شعور بالشفقة أو الانزعاج بالتواجد معه، في المكان نفسه أو الافتراض أن الإعاقة الجسدية تنسحب على القوى العقلية، تزعج المعاق وتعيق من اندماجه مع الآخرين».
«وعندما تحسنت نظرة الناس في العقود الأخيرة للمعاقين، فان تبدل الأحوال لم يتجاوز الاعتقاد أن الشخص المعاق يحتاج دائما لمن يرعاه ويحسن عليه ويشفق لحالته. ولشد ما يغيظني أن يوصف شخص ما بكلمة مسكين دلالة على إعاقته. بيد أن الأشخاص البسطاء غير ملامين في هذا التفكير النمطي في ظل غياب سلوك اجتماعي مستنير يشجع أفراد المجتمع على التقرب والاتصال بالمعاقين، وتهيئة مناخ أكبر للاختلاط بهم، سواء ضمن ترتيبات خاصة أم في مناشط عامة»*.
كقارئة بقدر ما سعدت بالتعرف علي نتاج العريمي، وشعرت بالفخر به ككاتب خليجي متميز بقدر ما غمرني الحزن العميق وأنا أقرأ جوانب من الوجع الإنساني، وأعبر مناطق ملغومة غير مأهولة من الرغبة الحقيقية في الحياة، تلك الحياة التي لا يمكن الحصول عليها سوى بقلب جسور ودراية كاملة، بمعنى أن يكون للصبر مذاقا مالحا ممزوجا بهالات الانتظار، ومغلفا بأقصى درجات الحكمة.
* «مذاق الصبر»، محمد عيد العريمي، الطبعة الثالثة 2006 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.