خيرالله خيرالله / جريمة في قلب الجبل ... في قلب لبنان

1 يناير 1970 03:46 م
كان لا بد من مرور بعض الوقت قبل محاولة التعليق على جريمة بيصور في جبل لبنان التي ذهب ضحيتها شيخ درزي. ما يمكن قوله الآن بعد ظهور ردود الفعل على الجريمة، أنه لم يكن سراً أن اغتيال الشيخ صالح العريضي في بيصور يأتي في سياق سلسلة الجرائم التي تعرض لها اللبنانيون الشرفاء، الشرفاء فعلاً، في مرحلة ما بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري. إنها الطريقة نفسها التي اغتيل بها الحبيب سمير قصير والمناضل العربي جورج حاوي. كذلك، هي الطريقة ذاتها التي اعتمدت لمحاولة اغتيال الزميلة مي شدياق التي نجت من الموت بأعجوبة ومازالت تتلقى تهديدات بسبب وقوفها مع الحرية والأحرار ومع لبنان أولاً. تشير جريمة بيصور بكل بساطة إلى أن هناك مجموعة كانت قادرة على مراقبة العريضي عن كثب طوال فترة لا بأس بها تمهيداً لزرع العبوة حيث يجب في السيارة التي كان الشيخ الدرزي يقودها بنفسه. تلك المجموعة ليست سوى الأداة. الأداة ليست مهمة بمقدار ما أن المهم من يستخدم الأداة في مكان معين وفي توقيت محدد. كان مطلوباً أداة تستطيع التحرك في بيصور، تحديداً من دون إثارة شبهات. في النهاية بيصور بلدة درزية صغيرة ومغلقة ومعروف من يدخلها ومن يخرج منها ومن يتجسس على من فيها ومن يعرف بتحركات من بدقة شديدة.
لا حاجة إلى تسمية الأشياء بأسمائها. كان مطلوباً ارتكاب الجريمة في بيصور، أي في قلب الجبل الذي هو قلب لبنان، لخلق فتنة درزية - درزية بعدما تبين أن طائفة الموحدين تمتلك حساً وطنياً يجعلها قادرة على الاستفادة من تجارب الماضي القريب والتعلم منها. وهذا ما حصل بالفعل عندما تصدى الجبل الدرزي بكل مكوناته لغزوة السابع والثامن من مايو الماضي التي ترافقت مع غزوة بيروت التي استهدفت أهل السنة بهدف إخضاعهم. رفض الدروز وقتذاك أن يكون هناك طابور خامس في وسطهم. وقفوا وقفة الرجل الواحد الأحد في وجه الغزاة وأسقطوا بذلك مشروع سقوط الجبل في يد المحور الإيراني - السوري عبر ميليشيا «حزب الله» التي تُستخدم في جعل لبنان امتداداً لهذا المحور.
لم تسقط القيادات الدرزية في التجربة. امتلك الوزير طلال أرسلان ما يكفي من الحكمة ليقول إن «الرسالة وصلت». وصلت إلى درجة أنه لا يتوقف الآن عن تأكيد انتمائه إلى المحور الإيراني - السوري وأنه لن يحيد قيد أنملة عما يريده المحور. يفعل ذلك عبر خطاب يرضي «حزب الله» وأسياده في طهران كما يرضي النظام السوري الذي لا همّ لديه سوى الادعاء أن هناك دروزاً تابعين له أكان ذلك في سورية نفسها أو في لبنان أو في الجولان المحتل ... أو في الجليل. إنه نظام يخلط بين طائفة الموحدين الدروز الكريمة ومواقفها التاريخية المشرفة ودفاعها عن العروبة الصادقة الحقيقية من جهة وبائسين ارتضوا أن يكونوا أقلّ من تابعين لأجهزته أو للميليشيا الإيرانية التي اسمها «حزب الله» من جهة أخرى. هؤلاء التابعون دروز بالاسم فقط وهم ينتمون إلى مجموعات ذات تاريخ طويل في الإساءة إلى كل من يعمل من أجل لبنان!
أبعد من جريمة بيصور والموقف الدرزي الموحد الذي يشدد على مرحلة جديدة بين الزعامتين التقليديتين للطائفة منذ «غزوة الجبل» الأخيرة، مرحلة تقوم على تحصين الجبل والمحافظة على تماسك أبناء الطائفة، لا بد من ملاحظة أن المحاولات المبذولة لشق الصف الدرزي، أو تدجين الدروز عموماً، تندرج في سياق مخطط أوسع. يصب المخطط في الانقلاب الكبير الذي يسعى النظام السوري إلى تنفيذه على مراحل. يفترض أن يتوج الانقلاب بانتخابات نيابية تجري في الربيع أو مطلع الصيف المقبل تؤدي إلى قيام أكثرية تابعة للمحور الإيراني - السوري. مثل هذا الانقلاب لا يمكن أن ينجح في حال كان حوار بين اللبنانيين وفي حال كان تفاهم على استراتيجية دفاعية عمادها الدولة اللبنانية بما يحصر السلاح بها وبمؤسساتها...
ما حصل في بيصور لم يكن صدفة لا من حيث المكان ولا من حيث التوقيت. جاءت الجريمة رداً على وجود نية حقيقية في عدم تمكين المحور الإيراني - السوري من اختراق الجبل. وجاءت بعد حادث سجد الذي استشهد فيه الضابط الطيار النقيب سامر حنا الذي اغتاله «حزب الله» بدم بارد أو غير بارد. وجاءت بعد انكشاف الدور الذي يؤديه الجنرال ميشال عون الذي لا همّ له سوى تغطية الجرائم التي ترتكب في حق اللبنانيين الشرفاء. بالطبع، إن دور ميشال عون مكشوف تماماً منذ فترة طويلة، ولكن طريقة تعاطيه مع استشهاد النقيب الطيار أزال ما بقي من غشاوة في أعين لبنانيين كانوا يتوقعون من قائد سابق للجيش عدم تبرير جريمة ترتكبها ميليشيا حزبية في حق ضابط.
أخيراً، جاءت جريمة بيصور لتؤكد أن لا وجود لمنطقة لبنانية غير مخترقة وأن الرد على ما قام به النائب سعد الحريري زعيم «تيار المستقبل» في طرابلس والبقاع لن يتأخر. أكثر من ذلك، مطلوب إبلاغ الرئيس ميشال سليمان الذي دعا إلى الحوار الوطني انطلاقاً من قصر بعبدا أن لا فائدة من الحوار قبل الانتخابات النيابية المقبلة وحصول الانقلاب الكبير الذي سيقلب التوازنات الداخلية رأساً على عقب.
هناك أكثر من رسالة حملتها جريمة بيصور. ولعل أهم الرسائل أن لبنان كله مهدد وأن «غزوة بيروت» مستمرة وأن صمود الجبل ليس سوى صمود موقت. المطلوب أن يفهم اللبنانيون، بغض النظر عن طائفتهم أو مذهبهم أو المنطقة التي ينتمون إليها أن لبنان لا يستطيع العيش من دون وصاية ومن دون أن يكون امتداداً للمحور الإيراني - السوري و «ساحة» له. مطلوب أن تكون بيروت قنبلة موقوتة بفضل الشحن المذهبي الذي يمارسه «حزب الله». ومطلوب أن يكون الجبل الدرزي عشائر متناحرة ومطلوب أن تكون المناطق المسيحية في حماية ميشال عون الذي يديره «حزب الله» بواسطة «الريموت كونترول». مطلوب تحويل الشمال وقسم من البقاع إلى قندهار ... أو إلى ما يشبه قطاع غزة في أحسن الأحوال. هذا ما يتعرض إليه لبنان حالياً. وهذا ما يقاومه اللبنانيون. هذه طبيعة المعركة التي يخوضها لبنان في مواجهة محور متحالف مع إسرائيل عبر مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة معها... إنه محور يتشدق صباح كل يوم بالمقاومة والممانعة. في حين أن كل ما يفعله في واقع الحال، تنفيذ للمخطط الإسرائيلي الهادف إلى تفتيت المنطقة. يفعل ذلك من حيث يدري أو لا يدري. الأرجح أنه يدري.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن