الجنة والنار وأبوابهما

1 يناير 1970 06:43 م
| بقلم أبو القاسم الديباجي* | يتساءل البعض هل ان الجنة والنار موجودتان فعلا؟
لا خلاف في نظر العلماء والباحثين على ان الجنة والنار موجودتان فعلا لما يتبين وضوح ذلك من الكثير من الآيات القرآنية المباركة والاحاديث الشريفة المتعددة المنقولة عن اهل بيت العصمة الاطهار عليهم السلام قال الشيخ الصدوق في العقائد: اعتقدنا في الجنة والنار انهما مخلوقتان، وان النبي (ص) قد دخل الجنة ورأى النار حين عرج به.
فنحن لو تصفحنا كتاب الله تعالى لوجدنا الذكر الكثير لهذا الامر، والقاطع بما قلنا من الوجود الفعلي لهما.
فمن ذلك قوله تعالى في سورة النجم: «ولقد رآه نزلة اخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى». (النجم: 13 - 15).
وكذا قوله تعالى في سورة التوبة: «اعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار» (التوبة: 89).
وقوله تعالى في السورة نفسها ايضا: «واعد لهم جنات تجري تحتها الانهار» (التوبة 100).
وكلمة «أعد» كما يعلم القارئ الكريم هي فعل ماض يشير إلى وقوع الشيء آنفا ومن ذلك ايضا قوله جل اسمه في سورة آل عمران: «واتقوا النار التي اعدت للكافرين» (آل عمران: 131).
وقوله تبارك شأنه في سورة التكاثر: «كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم» (التكاثر 5-6).
وغير ذلك مما لايعسر على القارئ الكريم ادراكه وتأمله.
واما الاخبار الشريفة فقد تعرض الكثير منها إلى هذا الامر، واشار اليه بوضوح، بل وحتى اجاب عن جملة التساؤلات المتناولة لهذا الوجود.
فمن ذلك ما روي من ان احد اصحاب الامام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام قال له إن فلانا يزعم ان الجنة لم تخلق، فأجابه الامام عليه السلام: كذب، فأين جنة آدم؟! وعنه عليه السلام ايضا وقد سئل نفس ذلك السؤال: نعم، وان رسول الله صلى الله عليه وآله قد دخل الجنة، ورأى النار لما عرج به إلى السماء.
ولما اخبر عليه السلام عن المنكرين لذلك قال: ما اولئك منا ولانحن منهم، من انكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي وكذبنا، وليس من ولايتنا على شيء.
وعن عائشة ان رسول الله (ص) قال: اني لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة، فأدناني جبرئيل من شجرة طوبى، وناولني من ثمارها فأكلته، فحول الله تعالى ذلك ماء في ظهري، فما هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فما قبلتها قط الا وجدت رائحة شجرة طوبى منها.
وعن الامام الصادق عليه السلام قوله: ليس من شيعتنا من انكر المعراج، والمساءلة في القبر، وخلق الجنة والنار، وغير ذلك من الروايات والاخبار الكثيرة المتعددة.
بقي لنا ان نقول ان رؤية هذين المخلوقين غير متيسرة لاحد من البشر في عالم الفناء هذه، الا في حصول الاستثناء كما في حال المعراج لرسول الله صلى الله عليه وآله، وما يمكن ان يصل اليه الانسان بتقواه وصفاء روحه ونقائها، حيث يكشف له البارئ جل اسمه الحجاب عن ذلك ويرى كل ذلك عيانا.
ولعل القليل من التأمل يكشف وضوح امكانية ذلك، فقول الله تبارك وتعالى في سورة التكاثر: «كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم» شاهد على امكان ذلك ما هو ظاهر الآية الكريمة.
ولذلك الامر مصاديق مادية نجدها واضحة في حياتنا العملية، والتي تستلزم قليلا من التأمل والتدبر.
نعم، ان ما يعوز ذلك هي الوسائط الموصلة اليه، والمؤدية إلى ادراكه، كما لو افترضنا ان هناك صوتا يجلجل في اميركا يسمعه اهل تلك البلاد، ويستحيل على سواهم من البقاع الاخرى سماعه، ولكن بتوافر وسائط نقل الصوت المختلفة نجد امكانية حدوث ذلك بسهولة ويسر.
ما المراد بأبواب الجنة وابواب النار؟ تقرأ في سورة الحجر قوله تعالى «ان جهنم لموعدهم اجمعين لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم» الحجر 43 - 44
كما اننا نقرأ في الكثير من الروايات الشريفة ان للجنة ايضا ثمانية ابواب كما ينقل ذلك عن الائمة المعصومين عليهم السلام.
فما المراد بهذه الابواب، والعلة في ذلك، بل وما كيفية هذه الابواب، انها جملة تساؤلات تستدعي بالمسلم البحث عن اجابة وافية لها وعلة مبينة لماهيتها.
اقول: ان تسمية الابواب السبعة في جهنم المراد بها كما تذهب إلى ذلك التفسيرات المختلفة لها الطبقات السبعة لها فكل باب هو طبقة من طبقات جهنم بما فيها من نوع معين من العذاب أو درجة منه.
وقد تعرض العلامة المجلسي رحمه الله تعالى إلى توضيح ذلك ذاكرا ان لهذا الامر تفسيرين اثنين، اولهما: ما نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله: ان جهنم لها سبعة ابواب اطباق بعضها فوق بعض، ووضع عليه السلام احدى يديه على الاخرى وقال: هكذا.
ثم ذكر رحمه الله تعالى تسمية هذه الطبقات متسلسلا من ادنى هذه الطبقات نحو اعلاها بالشكل التالي:
-1 جنهم -2 لظى -3 الحطمة -4 سقر -5 الجحيم -6 السعير -7 الهاوية. واما ثاني القولين فهو ما نقل عن الضحاك من ان المراد بها دركات جهنم وهي متقابلة مصنفة كل واحدة لجماعة من الجماعات.
وعموما فإنها النار الكبرى التي لا يوصف عذابها، ولا يحصى ما بها من انواع الألم والمعاناة والعذاب والنكال، والشدة والضيق هي هي وما ادراك ما هي هي النار التي لا تبقي ولا تذر، النار التي اعدها العظيم الجبار لسخطه فليتأمل في ذلك المتأملون وليتدبر المتدبرون وليعد كل امرئ عدته لئلا يكون من المحشورين فيها والمسجونين بين اطباقها اعاذنا الله وتعالى وجميع المؤمنين والمؤمنات منها.
واما فيما يختص بالجنة فقد ورد التعريف بأبوابها الثمانية بأنها ثماني طرق بالعرض لا طبقات كما هي الحال في جهنم اجارنا الله تعالى وجميع المؤمنين والمؤمنات منها.
نعم، فبخصوص ابواب الجنة والتعريف المتقدم لها فقد جاء القول المنقول عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في وصفه لها: وان الله تعالى وضع الجنان على العرض.
نعم، وهذا التقسيم يعني امكانية ان يكون هناك تفاوت في الدرجات بين هذه الطرق الثمانية المختلفة، لم يتدرج ضمنها من المقامات المتفاوتة والمختلفة في المنازل كما هو معروف.
ثم ان البعض يذهب الى القول بأن من غير المستغرب والمستبعد ان يكون المراد بالسبعة والثمانية هو العدد التكثيري وان المراد بذلك ان يكون لكل منهما ابواب كثيرة ومتعددة تتناسب واعمال العباد وطبيعتها فهم يدخلون وفق ذلك التصنيف ما يناسبهم من الابواب أو مما يشير إلى مجاميعهم المتخصصة حسب اعمالهم التي عرفوا بها، بيد ان الامر البدهي ان هذا الامر يبقى مرتبطا بالاعمال وان لهذه الاعمال جماعات تلتقي ضمن هذا القاسم المشترك بينها وهو الذي يجمعها وبالتالي يوافق بينها في الجزاء يوم الحساب.
وعموما فلنتأمل في جملة من الروايات المتعرضة لهذا الأمر:
-1 فالرسول الاكرم (ص) عند تعرضه للحديث عن الجنة يذكر جملة من ابوابها تختص بخصائص معينة فهنا باب الرحمة، وباب الصبر، وباب الشكر، وباب البلاء...
-2 بل وتضيف بعض الروايات ايضا ابوابا اخرى كباب المعروف، وباب المجاهدين.
-3 ثم لنقرأ ما نقل عن أمير المؤمنين علي عليه السلام من قوله: ان للجنة ابوابا: باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله.
-4 وما نقل عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله من قوله: ان للجنة بابا يدعى الريان، لا يدخله إلا الصائمون.

* الأمين العام للهيئة العالمية للفقه الاسلامي