| د. علي العنزي* |
الإمارات العربية، دولة شقيقة، مهتمة بالثقافة، أتيحت لي أخيرا فرصة زيارة معرضها للكتاب في أبو ظبي، فشعرت أنني أمام نموذج آسر؛ بدا في جوهره وكأنه حدث اجتماعي، تشارك فيه كافة شرائح المجتمع بتدفق.
ولو حاولت أن أحدد الدوافع التي صاغت انطباعاتي عن معرض أبو ظبي للكتاب، لكان علي أن أكتب سلسلة مقالات تنوف على 5، لإبانة كم التحولات التي حدثت في داخلي وأنا أتابع وأتأمل هذا التدفق...
ويتساءل كثيرون ونحن نتابع هذا الاهتمام (الإماراتي، وكذلك العُماني، والقطري أيضا بالمناسبة)، عن مصدر اغتناء التجربة الثقافية الخليجية، وسر هذا الاندفاع نحو محاولة إنضاج التجربة، التي راحت تتكامل عبر أكثر من عقدين؟
يجلو من خلال مشاركتي في معرض أبو ظبي للكتاب وجود حالة من الالتقاط الذكي لهواجس وآمال المجتمع، وأن القيمين على المؤسسات الثقافية، يعبرون بشكل فاعل عن الهم الثقافي، وضرورة الاضطلاع بدور ثقافي تغييري للنهوض بالمجتمعات من الصحراء إلى المدينة... وغني عن البيان، أن الريادة على هذا الصعيد، كانت لبلدي الكويت بلا أدنى شك في المنطقة، لكن السعي الحثيث لتحويل البلاد إلى نموذج آسر لم يعد- كما يعلم الجميع- كما كان؟
يبدو معرض الكتاب، في أسطع صوره، هنا في أبو ظبي، كأداء مهمة، أكثر منه كإبراء ذمة (رقابيا، وتفاعلا جماهيريا، وخصوبة نقاش، واهتمام... الخ من التفاصيل المتشابكة)، مما يشي بوجود رغبة حقيقية- كما أسلفنا- لتغيير وتطوير عقلية الإنسان.
ويلمس المرء، عبر هذه الجهود الحثيثة، سعيا لجعل الثقافة ذات وضع زاه، في ظلمات الواقع العربي، وهذه الحروب الضروس التي تحيط بالمنطقة من كل صوب، وهو ما يفسر ذلك الإغداق منذ أوائل التسعينات، على الثقافة، والسعي الدؤوب لمحاصرة كل حامل فكر قروسطي، بين ظهرانيهم!
نتمنى أن تستجيب المنطقة كاملة لهذه الخطوات التنويرية، إذ إنه لو كان للثقافة دور حقيقي فاعل خلال العقود الآنفة، لما وجد القتلة المتشددون في هذا الزمن الكئيب، أي دافع لنحر البشر في كل ركن من أركان الأرض!
* أستاذ النقد والأدب
[email protected]