خواطر تقرع الأجراس / سرقة القراءة

1 يناير 1970 02:53 ص
القراءة الثقافية فن وإدمان. ولا أعني هنا القراءة العادية لقتل الوقت، الذي يقتلنا دون أن ندري، ولا قراءة ما قبل النوم لجلب النعاس إلى الأجفان والأذهان؛ بل قراءة شحذ العقل لتجلية صدأ الدماغ مما يتراكم عليه من جهل وخمول.

المتنبي، هو الطامح الأكبر، وصاحب القول الأشهر في عالم القراءة: «وخير جليس في الأنام كتاب». كان يبيت في دكاكين الورّاقين مقابل أجر معلوم، يغبُّ من ينابيع المعرفة. فحصّل ثقافة لغوية وشعرية وفلسفية بوّأته عرشاً سامياً في دوحة الشعر العربي. قال عنه بعض الرواة إنه كان تقريباً يحفظ متن اللغة العربية.

وهذا ما كان يفعله توفيق الحكيم في فرنسا خلال بعثته لدراسة القانون، تلبية لرغبة والده. لكنه لم يكن ليبيتَ في المكتبة؛ فالمعروف أنه كان بخيلاً رغم أن الكتب في ذلك الزمن، هناك وهنا، كانت رخيصة جداً.

بين يدي الآن عدد خاص لتكريم الحكيم من مجلة الهلال المصرية، فبراير- شباط 1968، والثمن 10 قروش مصرية، و125 قرشاً سورياً، واصلة بالطائرة !، وهذه القروش اليوم ثمن «علكة» رديئة!

قال عن قراءته: «لا أعتمد في القراءة على شراء الكتب ولكني أستعيرها من المكتبات العامة. أذكر أنني في باريس عثرت يوماً على مكتبة متخصصة في الروايات المسرحية، ففرحت بها فرحاً شديداً، وأصبحت أقيم فيها طوال النهار...أشتري منها كتاباً واحداً و»على حس«هذا الكتاب أُقلِّب الكتب وأقرأ بقية النهار في سائر الكتب المعروضة»!

وكان الصاحب بن عبّاد يستصحب معه في رحلاته الموسوعة الكبرى للأدب والحضارة العربية: (الأغاني للأصفهاني)، يحملها على ظهور قافلة من الجمال لأنه رآها تُغني عن مئات الكتب. وكلما حطّ في موقع بدأ يلتهم أوراق الأغاني غذاءً للعقل والوجدان. وهو غذاء لا يُشبِع العقول، كما يُشبع الغذاءُ البطون.

وسلامة موسى، أثناء عودته من بريطانيا إلى مصر بالباخرة، كان يقرأ كتاب كارل ماركس عن الرأسمال ويلقي بكل ورقة بعد قراءتها إلى البحر؛ لأن مصر في ذلك العهد الملكي (الملك فؤاد)، وفي ظل الاحتلال البريطاني، شهدت حملة تطهير شنيعة لكل مثقف يساري أو شيوعي في ظل حكم رئيس الوزراء إسماعيل صدقي باشا الذي لُقِّب بـ (مكارثي مصر) على اسم مكارثي الأميركي في مرحلة العداء للشيوعية حيث كان يضطهد المثقفين اليساريين اضهاداً عنيفاً. كذلك كان إسماعيل. فلو وصل سلامة موسى إلى البَر المصري ووجدوا معه كتاب كارل ماركس لكان مصيره وخيماً.

في محطات القطار، والمطارات العالمية، وفي الطائرات والقطارات تجد الناس عيونهم مسمَّرة إلى صفحات كتاب بين أيديهم. والمسافر العربي- غالباً – تراه نائماً قبل الإقلاع، وشاخراً بعد الإقلاع، ليقتل الوقت حالماً بالوصول السريع بعد غفوة للعين والعقل؛ فخير جليس في المطار أو القطار...شخيرُ!!

كنت، منذ سحرني الكتاب، أقتني كتب الجيب الشهرية؛ لسرقة الوقت في أي فراغ، كسلسلة كتاب الهلال، و«كتابي» و«اقرأ». في السفر بالقطار أو الطائرة أو الحافلة كنت لا أنقطع عن القراءة إلا لأوقظ راكباً بجانبي «يُطوْطِح» برأسه الغافي المتدلّي على كتفي، فإذا مالت بنا الحافلة مثلاً عند كل منعطف مال عليّ بثقل رأسه وجسده... أما الشخير فهدير العجلات والمحرك أهون منه!

تُرى ماذا يقرأ شبابنا اليوم؟ وكيف؟ وهل يقرؤون؟ أم هم مشتَّتون بين ثقافة الفقر... وفقر الثقافة!

فلنسرق القراءة قبل أن يسرق الوقت أعمارنا.

* كاتب سوري