صفحة جديدة بين العرب والعرب
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
05:45 ص
في العمق، تشير زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز للقاهرة والنتائج التي اسفرت عنها الى فتح صفحة جديدة بين القاهرة والرياض، بل بين العرب والعرب، خصوصا في ظلّ العقلانية التي اتسّم بها برنامج العاهل السعودي طوال الايّام الخمسة التي امضاها في مصر.
لم تقتصر الزيارة على اتفاق على بناء جسر بين المملكة ومصر فوق البحر الاحمر، بل ركّزت على الامن العربي وذلك باعلان الملك سلمان عن انشاء قوة عربية مشتركة لمواجهة التحديات.
وقّع الجانبان السعودي والمصري ما يزيد على ثلاثين اتفاقا في مجالات مختلفة، بما يعكس رغبة متبادلة في نقل العلاقة بين البلدين الى نوع من الشراكة الاستراتيجية على الصعيد الاقليمي. انّها في واقع الحال شراكة استراتيجية خليجية ـ مصرية لاستعادة التوازن المفقود في المنطقة. يحصل ذلك من دون تجاهل للاردن الشريك في دعم الامن الخليجي وتعزيزه. وهذا ما يفسّر وصول ولي ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز الى عمّان قبيل مغادرة الملك سلمان للقاهرة لاجراء محادثات مع الملك عبدالله الثاني. الهدف من الزيارة واضح، وهو تأكيد الشراكة الاردنية ـ الخليجية على كلّ المستويات، خصوصا في شأن كلّ ما له علاقة بالبحر الاحمر ومصر.
كانت اللبنة الاولى لهذه الشراكة الدعم الخليجي لمصر في مرحلة مهمّة من تاريخها الحديث عندما تخلّصت من حكم «الاخوان المسلمين» قبل اقل بقليل من ثلاث سنوات.
حصل ذلك في يونيو 2013 عندما اسقط الشعب المصري حكم «الاخوان» ولقي على الفور استجابة خليجية دعما لثورته. من يتذكّر انّ المساعدات الاولى التي تلقتها مصر وقتذاك جاءت في شكل خمسة مليارات دولار من السعودية واربعة مليارات دولار من الكويت وثلاثة مليارات دولار من دولة الامارات العربية المتحدة.
من هذا المنطلق، ليس صدفة انّ تكون الامارات والكويت حاضرتين في احتفالات توقيع الاتفاقات بين مصر والسعودية. الامارات حاضرة عبر الشيخ طحنون بن زايد مستشار الامن القومي والكويت عبر رئيس مجلس الامة مرزوق الغانم.
كان القرار بدعم مصر وشعبها و«ثورة 30 يونيو» الاشارة الاولى الى فهم الجانب العربي واستيعابه التام لحال التذبذب التي تعاني منها ادارة باراك اوباما التي قرّرت ادخال تغييرات في العمق على السياسة الخارجية الاميركية خصوصا في الشرق الاوسط والخليج. وضعت هذه الادارة في اولوية اولوياتها الاتفاق في شأن الملف النووي الايراني. اختزل هذا الملف، بالنسبة اليها، كل مشاكل الشرق الاوسط والخليج والازمات في المنطقتين. كان لا بدّ من ردّ عربي واضح في وقت بدأت ايران تتسلل الى مصر عبر الاخوان المسلمين في ظلّ تواطؤ واضح مع «حماس»، فيما ليس لدى اسرائيل من سبب لا يدعوها الى دعم كلّ ما من شأنه الغاء مصر وحذفها من المعادلة الاقليمية.
ما يمرّ به الشرق الاوسط والخليج ليس حدثا عابرا. المنطقة كلّها في حال مخاض. تتطلّب هذه المرحلة تجاوز كلّ عقد الماضي والاعتماد على رؤية عربية جديدة متكاملة لمستقبل المنطقة. حجر الزاوية لهذه الرؤية، العلاقة الخليجية ـ المصرية بشكل عام والعلاقة السعودية ـ المصرية بشكل خاص.
هناك في واقع الحال المملكة العربية السعودية الجديدة التي تمثّلها قيادة الملك سلمان. تعني هذه القيادة اوّل ما تعني التجدد في ظل الاستمرارية. هناك حيوية سعودية كان افضل تعبير عنها «عاصفة الحزم» في اليمن والمواقف الحازمة من المشروع التوسّعي الايراني الذي يهدّد كلّ دولة عربية، خصوصا العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين.
لا وجود لادنى شكّ في انّ السعودية في حال حرب مع هذا المشروع الذي يستهدف تطويقها، وتطويق الخليج من كلّ الجهات عن طريق «الدواعش» الشيعية و«داعش» السنّية التي يتبيّن كل يوم انّها صنيعة النظامين في ايران وسورية.
هناك شقّ آخر من الزيارة يدلّ اوّل ما يدلّ على مدى الوعي السعودي للمخاطر التي تتعرّض لها المنطقة واهمّية مصر ودورها، خصوصا بعدما اظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي قدرة على فهم الخطر الذي يمثله التطرف ودور الازهر في مواجهته. حرص الملك سلمان على زيارة الازهر مؤكدا اهمية القضاء على الصورة الخاطئة التي يحاول الجهلة والمغرضون نشرها عن السعودية وتوجهاتها في المجال الديني. اكثر من ذلك، استقبل الملك سلمان بابا الاقباط في مصر تواضروس الثاني. يقضي الاستقبال على كلّ الاقاويل التي يروّج لها اولئك الذين لا يريدون تصديق ان السعودية لم تفرق يوما بين مصري وآخر بسبب ديانته او بين لبناني وآخر بسبب مذهبه.
فوق ذلك كلّه، بدأ بناء علاقة سعودية ـ مصرية وخليجية ـ مصرية من دون عقد من اي نوع. ليس الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين سوى مؤشر الى تجاوز كلّ ما له علاقة برواسب الماضي. اعادت مصر جزيرتي تيران وصنافير الى السعودية بعدما وضعتا في حمايتها منذ العام 1950. هذا قرار شجاع لا يتخذه الّا الزعماء الذين يدركون معنى المصلحة الوطنية والتزام القانون الدولي والابتعاد عن المزايدات التي تخدّر الشعب ولا تطعمه خبزا.
قامت العلاقات المصرية ـ السعودية منذ اربعينات القرن الماضي على المنافسة. لم تؤد رعونة جمال عبد الناصر الذي وقفت السعودية الى جانبه عندما تعرّضت مصر لعدوان ثلاثي في العام 1956، سوى الى كوارث على الصعيد العربي توّجت بهزيمة 1967.
هناك اخطاء كثيرة ارتكبت في الماضي، خصوصا في مرحلة ما بعد زيارة الرئيس انور السادات للقدس في 1977 وتوقيع اتفاقي كامب ديفيد في خريف 1978، ثمّ معاهدة السلام المصرية ـ الاسرائيلية في مارس 1979. لم يفهم البعثان في سورية والعراق وقتذاك المعنى التاريخي لما اقدم عليه السادات. زايد البعثان من اجل خلق فراغ في المنطقة اعتقدا ان في استطاعتهما الاستفادة منه الى ابعد حدود.
قاطع العرب مصر وقاطعت مصر العرب. عادوا اليها وعادت اليهم، لكنّ الثابت ان ما اثبته سلمان بن عبد العزيز يتمثّل في الاستفادة من تجارب الماضي من جهة والسعي الى بناء نوع جديد من العلاقات العربية ـ العربية من جهة اخرى. تقوم هذه العلاقات على
يبدو تأهيل مصر جزء لا يتجزّأ من هذا الرهان الذي يصب في ايجاد مكان للعرب في المنطقة وذلك في وقت يوجد من يريد ازالتهم من خريطة الشرق الوسط والخليج، خصوصا بعد سقوط العراق. فمصر دولة شرق اوسطية وافريقية وخليجية في آن. لا يختلف اثنان على ان لديها مشاكل كثيرة. ولكن من يتمعّن في نوعية الاتفاقات التي اسفرت عنها زيارة الملك سلمان، يكتشف ان كلّ ما في هذه الاتفاقات درس بدقّة، بدءا بالجسر بين آسيا وافريقيا، وصولا الى تنمية سيناء التي يمكن ان توفّر مخرجا لازمة النمو السكاني في البلد العربي الاكبر، انتهاء بدعم الازهر ليكون منارة للوسطية ونشر التسامح والمعرفة.
يبقى سؤال هل يمكن الرهان على مصر؟ الجواب بكل بساطة ان الاوان لم يفت بعد لانقاذ مصر بدل تركها تنهار تحت وطأة المشاكل الكبيرة التي تعاني منها، خصوصا في مجال التعليم الذي تدنى مستواه وانتشار الفقر والتطرّف الديني.
هناك عاملان ما زالا يلعبان لمصلحة مصر، هما الوعي الشعبي لخطورة ظاهرة «الاخوان» والتطرّف الديني بكلّ اشكاله ووجوود الدولة العميقة. هذه الدولة العميقة التي قلبت المعادلة في يونيو 2013 وحالت دون سقوط مصر نهائيا وتفكّكها على يد «الاخوان» ومشروعهم الذي ليس بعيدا عن المشروع التوسّعي الايراني بملحقاته وادواته المختلفة.