مشاهد / الإنصاف... الذي كان مستحيلا
| يوسف القعيد |
1 يناير 1970
06:15 م
حملت لنا أخبار زماننا التي تسعد الإنسان، رغم الهموم التي تحاصرنا في كل مكان، أن المؤسسة «المصرية ـ الروسية» للثقافة والعلوم برئاسة الدكتور حسين الشافعي والسفارة الروسية، نظمت احتفالية شعبية بمناسبة تنصيب تمثال الشيخ محمد عياد الطنطاوي، أول معلم للغة العربية في روسيا خلال الفترة «1840- 1861» بمسقط رأسه في قرية «نجريد- مركز بسيون» بمحافظة الغربية، «وسط دلتا مصر»، وأقيمت الاحتفالية بالتنسيق مع مكتبة الإسكندرية، ومركز تاريخ مصر المعاصر بوزارة الثقافة، ومركز التراث بدار الهلال وجمعية حماة اللغة العربية، والمركز الروسي للثقافة والعلوم.
شهد الاحتفالية محافظ الغربية اللواء أحمد ضيف صقر، الذي قرر تغيير اسم مدرسة نجريد الإعدادية التي وضع بها التمثال إلى مدرسة الشيخ محمد عياد الطنطاوي.
من جانبه، أعلن الدكتور حسين الشافعي، عن منحة علمية للعشرة الأوائل في الثانوية العامة من أبناء القرية في مجال الفضاء والطاقة في روسيا.
وأشار، إلى انه على أبناء القرية أن يفخروا بهذه القامة العلمية التي ذهبت إلى روسيا لكي تُعلم وليس لتتعلم، وإنه قد ترك أكثر من مئتيّ مخطوطة في علوم اللغة العربية، ونحن بحاجة إلى تحقيقها لكي نستفيد منها.
في الاحتفال، أكد مصمم التمثال الدكتور أسامة السروي، أن تلك النسخة هي الثالثة من التمثال، حيث توجد نسخة في دار الكتب المصرية ونسخة أخرى في مدخل مدينة سانت بطرسبورج.
وأكد مندوب السفير الروسي، أن الشيخ طنطاوي قدّم لروسيا الكثير، وقد استفاد الباحثون والمستشرقون من كتبه ومؤلفاته التي تزخر بأنواع العلوم والمعارف المختلفة.
خلال الاحتفال... قامت المؤسسة «المصريةـ الروسية» للثقافة والعلوم، بتوزيع نسخ إلكترونية من هذه المخطوطات على المشاركين في الاحتفالية.
والشيخ محمد عياد الطنطاوي «1810- 1861»، أحد أعلام اللغة العربية وآدابها، وهو عالم مغمور لأنه سار عكس الاتجاه الذي سار فيه كثيرون من أبناء جيله المصريين. دفعت الظروف الشيخ للرحيل إلى بطرسبورج، حيث أمضى حياته أستاذا للغة العربية في جامعتها وتوفي ودفن هناك.
والشيخ طنطاوي، أحد علماء الإسلام الذين يوصفون بالموسوعية، فقد جمع بين صفات علمية وأدبية ودينية متنوعة، فكان خبيرا في معرفة القرآن والفقه ومتبحرا في اللغة العربية ويعرف جيدا دقائق الأدب العربي قديمه وحديثه، كما أنه جامع للمخطوطات وشاعر وكاتب مجموعة من الشروحات على أعمال علماء مسلمين. وقُدّر للشيخ طنطاوي، أن يعيش نصف قرن قضى نصفه في وطنه الأم مصر والباقي في روسيا، فجمعت حياته بين الفترتين لتكمل إحداهما الأخرى.
عمل الشيخ الجليل بالتدريس في الأزهر، واكتسب شهرة واسعة كعالم دين وفقيه في اللغة العربية، فتوافد عليه الأوروبيون المقيمون في مصر ليعلمهم اللغة العربية خارج العمل الجامعي، حيث كان يُدرّس علوم الدين لطلبة الأزهر.
وقد أثر ثلاثة من الطلاب الأوروبيين في حياته، وهم: الفرنسي فريستنيل، والإنكليزي لين، والروسي موخين.
وقبل هذه المناسبة بسنوات، كانت قد أعادت سلسلة ذاكرة الكتابة، التي تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ويرأس تحريرها الدكتور عبدالقادر القط، طباعة كتاب حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي. الذي كتبه عميد المستشرقين السوفييت إغناطيوس كراتشكوفسكي. وترجمه إلى العربية كلثوم عودة.
وراجع النص العربي وحققه وعلق عليه: عبدالحميد حسن ومحمد عبدالغني حسن. وصدرت الطبعة العربية الأولى من هذا الكتاب عن المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية سنة 1964 «المجلس الأعلى للثقافة الآن». ثم صدرت الطبعة الثانية منه.
ولي مع الشيخ طنطاوي قصة. أبدأ بها الكلام عن هذا الكتاب الجميل. وهذا الحدث الأجمل، أول ما كتبته عنه كان عنوانه: «الشيخ محمد عياد الطنطاوي: الموت ظلما واغترابا». لكن الإنصاف الذي كان مستحيلا حدث بالنسبة للرجل لإقامة تمثال له في مدخل قريته. وإطلاق اسمه على مدرسة، وتخصيص منح دراسية لأبناء قريته.
أعود لحكايتي القديمة مع الشيخ عياد الطنطاوي. أو مع ذكراه. لأنني لم أعرفه. وإن كنت قد عرفت حكايته وقد تم هذا بصدفة بحتة. وكم في الحياة من صدف بالغة الغرابة قد لا يصدقها عقل.
كنت قد سافرت إلى الاتحاد السوفياتي ـ كما كان يُسمى وقتها ـ سنة 1986، بدعوة من اتحاد الكتاب السوفيات. كانت الدعوة بمناسبة صدور الترجمة الروسية لثلاث روايات لي. صدرت كل واحدة بمفردها. ثم صدرت الروايات الثلاث: «أخبار عزبة المنيسي - يحدث في مصر الآن - الحرب في بر مصر». في مجلد واحد دُعيت بمناسبة نزوله في الأسواق.
خلال الزيارة ذهبت إلى مدينة ليننجراد، التي أصبح اسمها الآن «بطرسبرج»، وهو نفس الاسم القديم للمدينة قبل الثورة السوفياتية الكبرى.
وعندما عدت إلى مصر من هذه الرحلة، وجدت السؤال في انتظاري: هل زرت قبر الشيخ الطنطاوي عندما ذهبت إلى ليننجراد؟! كانت إجابتي بالنفي. ولكن السؤال أيقظ بداخلي رغبة لا تقاوم في معرفة من هو الشيخ الطنطاوي، وما هي حكايته، وقبره الذي في بلاد الثلج والضباب، وقصته تلك التي لا نعرف عنها أي شيء.
كان الكتاب الصادر عنه في موسكو وترجمته إلى العربية، هو الذي جعلني أعيش مع هذا الرجل. كنوع من الاعتذار عن الظلم الذي وقع عليه منّي.
وهناك أناس يأتون إلى هذا العالم ليظلموا. ومنهم الشيخ الطنطاوي. لأنه من الصعب القول إننا قد نسيناه، لأننا خرجنا إلى الحياة ونحن لا نعرف عنه أي شيء.
اسمه بالكامل: محمد بن سعيد بن سليمان عياد المرحومي الطنطاوي الشافعي. وُلد في قرية نجريد «هل هي القرية التي وُلد بها الملحن المعروف: أحمد صبري النجريدي؟!» من قرى الغربية سنة 1810، كان والده من قرية محلة مرحوم، التي كانت أكثر أهمية من مدينة طنطا. التي أصبح لها وزن وتحولت إلى عاصمة للإقليم بعد أن بنى علي بك الكبير مسجدا في طنطا للولي المعروف السيد أحمد البدوي، فتغير الحال.
تلقى الشيخ الطنطاوي علومه في الأزهر الشريف، وكان من زملائه الشيخ محمد قطة العدوي محقق كتاب معروف وهو النسخة الأصلية والأساسية من «ألف ليلة وليلة». وكان من أساتذته: حسن العطار وإبراهيم الباجوري ومحمد الترميذي صاحب القاموس الشهير «تاج العروس». وفي الوقت نفسه، الذي كان جميع زملائه يتجهون لدراسة الشريعة والدين، فقد اختار هو أن يدرس اللغة العربية وآدابها ونحوها وصرفها.
ونستكمل.