المرأة في الشعر الشعبي الحديث (1 - 6)?

1 يناير 1970 04:28 ص
‏?تختلف مواقف الشعراء حول مسألة النظر للمرأة فمنهم من يعمل على مزجها بالأرض والإنسان، ومنهم من يتعامل معها كمخدر جنسي موقت، ومنهم من ينظر إليها كحالة مجردة، والبعض الآخر منهم يراها غير ذلك، وهذه النظرة تحركها نوازع فردية تختلف من شاعر لشاعر، غير أن اللافت في الأمر أن الجميع يتعامل معها كأنها مخلوق سحري نزل على الأرض من عالم الملكوت، وليست المرأة التي خلقت من ضلع الرجل كما في الموروث الديني أو النظرة الشعبية العامة ذات الصلة بالنظر إلى المرأة، لهذا كان تعامل الشعراء مع المرأة تعاملاً ينم عن خصوصية فردية يمتاز بها كل شاعر على حدة.

يتمازج الشعور تجاه المرأة عند خالد قماش بأشياء متعددة، لكنها تصب في خانة الجنس لا الحب، فالمرأة لديه مخدر جنسي أو جسر عاطفي للوصول إلى النشوة التي يرجوها من المرأة لهذا لا يجد أي غضاضة باستعمال مفردات موحية بهذا الغرض «السُّكر، الفجر، المنكر، الذنب، تشب» ما دامت هذه المفردات تجعل الشاعر قريباً من مراده

صباح السُّكر.. والسكر

صباح الفُجر.. والمنكر

صباح الطهر والعفة...

يا غنوة فاتنة لفيروز...

كرز طافح على الشفة !

صباح المغفرة والذنب

وفتنة تنطفي... وتشب

وأبتشرد على صدرك

وأبتبعثر على صدرك

وألملم أغنيات التوت من خدك

بقايا الليل من شعرك !

صباح الصعلكة والشعر

يا وردة... مثقلة بالعطر

هنا تتداخل المشاعر لكنها في النهاية تصب في كون المرأة «فتنة تنطفي..وتشب» حيث تتفرع من هذا الإيماء كل دلالات التعلق الجسدي بالأنثى «كرز طافح على الشفة_أغنيات التوت من خدك_ أبتشرد على صدرك_ يا وردة... مثقلة بالعطر» وذلك أن الشاعر تعامل مع المرأة في هذا المقطع كجسد متفجر بالحياة وبحاجة إلى من يداعب هذه الحياة فيه ويمنحها التمدد بين«الطهر والعفة» و«المغفرة والذنب» وها هو يقول في نص آخر، عندما تحدث عن نزار قباني في الذكرى السادسة لرحيله.

ياللي أثبت إن هذي الأرض...

تهتز..وتدور..

من أنين أنثى..

على أطراف السرير!!

فهذا الحضور للأنثى بهذه الطريقة المكشوفة مؤشر على أنها لدى الشاعر مخدر جنسي، وسنلاحظ هذا التطور مع عدد لا بأس به من الشعراء، لكن بدرجات أخف يختلف طلال حمزة عن خالد قماش حول تصوره للمرأة، فهي عند طلال تمتزج بوجع الإنسان اليومي ومنصهرة فيه، سواء من خلال شعره أو من خلال ما يحيط به من مكونات

الليلة جيت

ولك معي حفنة وجع

وشعر.. جديد كاتبه

وسرب حزين..من بجع

تنتقل الصورة من هذه الزاوية إلى تصوير الأنثى كإنسان يشارك الشاعر هذه الحياة ويقاسمه أوجاعه وهمومه، لكنه، ومع هذا التوظيف لا يتغافل عن المرأة كأنثى ذات سحر ودلال وذات عيون قادرة على فعل ما لا يمكن فعله في الرجل

الليلة يا ميت.. يا ميت

الليلة يا ميت بدونك

وإلا ميت في عيونك

فهو رغم أنها تشاركه أوجاعه وهمومه، لا يتغافل عن أثر جمالها الفتان الساحر في النفس، لهذا يعلن أنه ميت في كلتا الحالتين فهو إما أنه ميت بعيداً عنها، أو ميت من الهيام والسفر بين سواحل عينيها، والموت هنا هو العذاب، والعذاب هنا عذابان ! عذاب البعد عنها، أو عذاب القرب منها، لهذا يعلن الشاعر أنه ميت في حب هذه المرأة إلى أقصى درجات العذاب والموت.

إن هذه النظرة إلى المرأة تجعل المرأة تشعر بالأمان مع الرجل، فهو لا يراها كجسد مفخخ بالشهوة، يشتعل ثم يتلاشى على أطراف السرير، بل يراها كإنسان وكأنثى، كإنسان حينما يبث لها أوجاعه، وكأنثى حينما ينصهر عشقاً فيها ويشعر أنها تعادل الحياة بالنسبة له، فلو فارقها مات من لوعة الغياب، وإن اقترب منها مات من حرارة الشوق لهذا كان الحب هو ملاذه وهو المخلص له من هذا الشعور بعدم الاتزان.

يا إلهي..

لو تقولي لي أحبك مثل ما كنت تقوليها زمان

كان أخلي

..أخلي الليل

مدري وش ممكن أخلي الليل

بس أخلي الدنيا كل الدنيا ليل

وأعشقك وأسهر وأحبك

وأشرقك وأمطر وأحبك

وأشهقك وأزهر وأحبك

ألين..أحبك

يا إلهي لو تقولي لي أحبك

حينما أحس أن الموت، وهو العذاب المستديم بسبب هذا الحب، أقول حينما أحس بأن الموت يحيط به «يا ميت..يا ميت» اتجه إلى مناجاة قوة غيبية قادرة على توجيه هذا الكون بمن فيه وما فيه، لهذا تعامل مع هذا التوجه بروح شاعرية ارتفعت عن طلبات الجسد وتعلقت هذه المطالب بما تمليه عليه مشاعره «لو تقولي لي أحبك» إذ كرر هذه المفردة «أحبك» أكثر من مرة, وكرر هذه الجملة مرة أخرى في آخر هذا المقطع الذي أمامنا لتأكيد هذه المطالبة وبيان التصاقه بها، وتمسكه بالحب، هذا الحب الذي جعل الشاعر أكثر إقناعاً مع نفسه في الدرجة الأولى، قبل أن يمارس هذا الدور مع محبوبته حيث حينما اندفع بالحديث «كان أخلي..أخلي الليل» لم يدفعه هذا التصرف إلى الجنون، لأنه يمارس جنون العاشق لا جنون العاقل، أي جنون من خرج من عباءة عقله ليمارس دور الهذيان الاجتماعي، فقد كان اندفاعه مشبعاً بالعاطفة التي جعلته يجد لذة في الدوران حول نفسه «مدري وش ممكن أخلي الليل» وذلك أن قضيته ذاتية تخصه دون سواه، لا قضية عامة ترتبط بعلاقته مع المجتمع من حوله، لهذا كان هذا الدوران أجمل في هذا الحب «بس أخلي الدنيا كل الدنيا ليل» فكان اتجاهه اتجاهاً ذاتيّاً عائدًا إلى الداخل، داخل الإنسان فيه.

وأعشقك وأسهر وأحبك

وأشهقك وأمطر وأحبك

لأن ما يعنيه في هذه المسألة موقفه الخاص من الحب، هذا الحب الذي جعله يتعامل مع المرأة كأنثى رقيقة قادمة من ملكوت الحب لا من كهوف الشهوة، فالحب لديه عكس لنا المرأة كالإنسان في داخله وتعامل معها من هذا الجانب، لأنه يريد قلبها لا يحلم بسحق جسدها ورميها في الخلاء بعد ذلك، لهذا كرر هذه المقولة أكثر من مرة «يا إلهي لو تقولي لي أحبك» من استحضارها في خياله وروحه، وأنه غير قادر على العيش بعيداً عنها.