ما الذي يجمع بين البعث و«حزب الله»؟
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
04:44 ص
في الثامن من آذار ـ مارس من كلّ سنة، لا نتذكّر فقط حركة «الثامن من آذار» في لبنان، وهي كناية عن تظاهرة كبيرة لـ «حزب الله» جاءت بعد ثلاثة اسابيع على اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط ـ فبراير 2005. خطب في تلك التظاهرة الامين العام للحزب السيّد حسن نصرالله وكان عنوان خطابه: «شكرا سورية». هل اراد شكر النظام السوري على تغطية اغتيال رفيق الحريري، في اقلّ تقدير، ام شكره على هذه التغطية التي ستقود الى الانسحاب السوري العسكري والامني في لبنان تاركة لـ «حزب الله» ملء هذا الفراغ؟
في كلّ الاحوال، سارت الامور في لبنان بعد الثامن من آذار ـ مارس 2005 في اتجاه مرحلة جديدة واجه فيها «حزب الله»، وهو لواء في «الحرس الثوري» الايراني، ارادة اللبنانيين ورغبتهم في الحرية والسيادة والاستقلال وصولا الى ما نحن عليه الآن من وضع يد ايرانية على البلد. لعل افضل تعبير عن وضع اليد هذه التي قاومها اللبنانيون وما زالوا يقاومونها بأجسادهم العارية، منع انتخاب رئيس للجمهورية وذلك بعد اقل بقليل من سنتين على خلوّ موقع الرئاسة في البلد.
قبل لبنان، كان الثامن من آذارـ مارس، تاريخ شؤم في سورية. في مثل هذا اليوم من العام 1963، نفّذ حزب البعث انقلابا عسكريا استهدف تدمير سورية في شكل تدريجي، وذلك بعد محاولات لاعادة بناء الحياة السياسية في البلد استمرّت اقل من سنتين. بدأت هذه المحاولات في ايلول ـ سبتمبر 1961، شهر انتهاء الوحدة مع مصر.
لم يكن الثامن من آذار السوري اقلّ سوءا من الثامن من آذار اللبناني. ففي الحالين، هناك فلسفة جديدة في الحكم تقوم على البناء على الهزيمة وتحويلها انتصارا. في سورية، انتصر البعث الذي انبثق منه النظام العلوي ثم نظام العائلة الحاكمة على سورية والسوريين. وفي لبنان، انتصر «حزب الله» بعد رفعه شعار «المقاومة» على لبنان واللبنانيين وذلك ارضاء للمشروع التوسّعي الايراني الذي يستثمر في اثارة الغرائز المذهبية.
منذ ما قبل العام 1963، اي منذ ما قبل وصول البعث الى السلطة تنتقل سورية من كارثة الى اخرى. تمثّلت الكارثة الاولى في الوحدة غير الطبيعية مع مصر التي اسست في العام 1958 لنظام امني راح يقضي على الحياة الحزبية والسياسية والنظام الاقتصادي الحرّ شيئا فشيئا.
جاء نظام البعث ليشكل في 1963 استمرارا لما بدأ في 1958. خرجت كل النخب السورية من سورية. لم يعد من مكان سوى لعسكريين جهلة ازاحوا في البداية البعثيين المدنيين من السلطة وما لبثوا ان حوّلوا النظام الى نظام طائفي تحت سيطرة ضباط علويين في البداية، مثل صلاح جديد ومحمّد عمران وحافظ الاسد، ثمّ تحت سيطرة الاسد الاب الذي انفرد بالسلطة ابتداء من خريف العام 1970. مهّد ذلك لقيام نظام العائلة الحاكمة مع التابعين لها منذ خلافة بشّار الاسد لوالده في صيف العام 2000.
في كلّ المحطات التي مرّ فيها هذا النظام، كانت لديه القدرة على الاستفادة من الهزائم وتحويلها الى هزائم للشعب السوري وانتصار للنظام. صبّ حرمان سورية من افضل السوريين عن طريق تهجيرهم ومصادرة املاكهم ومصانعهم في خدمة نظام جعل من افقار الشعب هدفا بحد ذاته. كانت كلّ الحروب التي خاضها النظام هزائم، لكنه احسن استخدامها لتقوية وضعه.
هل من هزيمة اكبر من هزيمة حرب 1967 التي مهّدت لوصول حافظ الاسد الى قمّة الهرم في السلطة، علما انّه كان وزيرا للدفاع في اثناء تلك الحرب؟ خسرت سورية مرتفعات الجولان التي لا تزال محتلّة الى اليوم. لم يسع النظام يوما الى استعادة الجولان، بل خاض حرب 1973 من اجل الوصول الى اتفاق لفصل القوّات في الجولان وطي صفحة استرجاع الارض المحتلة. لولا الولايات المتحدة التي اوقفت حرب 1973، لكانت اسرائيل وصلت الى دمشق. على الرغم من ذلك، تحدّث النظام السوري عن انتصارات كانت في الواقع تمهيدا لاحتلال لبنان لسنوات طويلة وتوريط الفلسطينيين في حروب داخلية جعلت قضيّتهم في مهبّ الريح.
كان النظام السوري عبقريا بالفعل، خصوصا بعدما ادرك ان لا مانع لدى اسرائيل في دخوله لبنان وسعيه الى السيطرة عليه وترك الجنوب «ساحة» لتبادل الرسائل. كان ابقاء الجولان تحت الاحتلال الاسرائيلي بمثابة ضمانة للنظام السوري الذي عرف تماما ان الانتصار على لبنان صار بديلا من الانتصار على اسرائيل... وان التغاضي عن الجولان بمثابة بوليصة تأمين له.
خسر النظام السوري كلّ المواجهات العسكرية مع اسرائيل، بما في ذلك مواجهة حرب صيف العام 1982 في لبنان. كانت هزيمته في 1982 تمهيدا للعودة الى بيروت ثم لوضع اليد على البلد كلّه بفضل بطولات النائب المسيحي ميشال عون، قائد الجيش السابق، الذي هيأ كل الاجواء المطلوبة من اجل دخول القوات السورية القصر الجمهوري في بعبدا ووزارة الدفاع القريبة منه في العام 1990.
كان الثامن من آذار ـ مارس السوري، الكارثة الكبرى على السوريين وكان الثامن من آذار ـ مارس اللبناني، يوم شؤم على اللبنانيين. استفاد «حزب الله» من تجربة البعث السوري. حوّل الهزائم الى انتصارات له. كانت انتصاراته ولا تزال انتصارات على لبنان واللبنانيين.
افقر البعث، سورية، ودمّر النسيج الاجتماعي فيها من اجل الامساك بالبلد والمحافظة على النظام. يعمل «حزب الله» بالطريقة ذاتها. الحق هزيمة منكرة بلبنان في حرب صيف العام 2006 التي خاضها مع اسرائيل. كان في لبنان مليون سائح في ذلك الصيف فاصبح فيه مليون مهجّر. لم يمتلك الحزب، حتّى، حدّا ادنى من الوفاء للعرب الشرفاء الذين ساعدوا لبنان في اعادة بناء ما دمّرته اسرائيل. كان على رأس هؤلاء المملكة العربية السعودية التي بذلت كل جهد من اجل تمكين لبنان من تجاوز المحنة واستعادة بعض من عافيته.
على الرغم من كلّ ما لحق بلبنان، رفع «حزب الله» علامات النصر. اذا كان انتصاره في حرب صيف 2006، التي كلّفت لبنان آلاف الضحايا ودمارا هائلا، انتصارا، فما هو مفهومه للهزيمة. هل يكفي ان ينتصر «حزب الله» على لبنان، كي ترضى عنه ايران؟ هل يكفي ان ينتصر النظام السوري على السوريين ويهجّرهم بمئات الآلاف وان يدمّر القرى والبلدات والمدن بصواريخه وبراميله المتفجّرة، مستعينا بالروسي والايراني والميليشيات المذهبية، كي تجدّد له اسرائيل بوليصة التأمين التي يبحث عنها؟
لكلّ من لبنان وسورية، الثامن من آذار ـ مارس الخاص به، وكأن تجربة «حزب الله» اللبنانية امتداد لتجربة البعث في سورية.
ما يجمع بين ما يشهده لبنان وتشهده سورية فلسفة واحدة مبنية اوّلا واخيرا على عبقرية بعثية تقوم على اختراع احلام يقظة تحوّل الهزائم الى انتصارات وهمية لا تصبّ في نهاية المطاف سوى في القضاء على البلدين. «سورية الاسد» التي عرفناها انتهت. هل يصمد لبنان؟