كي يكون للانتخابات الإيرانية معنى...

1 يناير 1970 04:44 ص
تقدّم الاصلاحيون نتيجة الانتخابات الايرانية ام لم يتقدّموا، سيظلّ المحك حجم التغيير في السياسة الخارجية الايرانية التي يعبّر عنها مشروع توسّعي قائم اوّلا واخيرا على الاستثمار في الغرائز المذهبية. سيظل اللبناني يسأل نفسه هل آن اوان الانتهاء من الظلم اللاحق به نتيجة اصرار ايران على جعل بلده مستعمرة تابعة لها؟

ماذا ينفع المنطقة من فوز الاصلاحيين وبقاء السياسة الايرانية على حالها، خصوصا ان هذه السياسة زادت عدائية، خصوصا تجاه المملكة العربية السعودية، منذ توقيع الاتفاق في شأن الملف النووي الايراني بين ايران ومجموعة الخمسة زائد واحد.

لن يعني فوز المرشحين الاصلاحيين في انتخابات مجلس الشورى او مجلس الخبراء شيئا يذكر ما دامت ايران تتعاطى مع محيطها بالطريقة التي تتعاطى بها، اكان ذلك في سورية او العراق او لبنان او اليمن... او البحرين.

ما أهمّية فوز الاصلاحيين عندما يبقى هناك تهديد ايراني للبحرين، المملكة الآمنة التي تسعى الى حل مشاكلها الداخلية بما يتناسب مع امكاناتها المحدودة، خصوصا بعدما نضب فيها النفط باكرا؟

ما ينطبق على البحرين، ينطبق على العراق. فكل تصرّفات ايران في هذا البلد، الذي كان، الى ما قبل قليل، احد اهمّ بلدان المنطقة وركيزة من ركائز النظام الاقليمي والتوازن بين الحضارتين الفارسية والعربية، تشير الى رغبة واضحة في تحويل العراق مجرّد تابع وذلك من منطلق طائفي ومذهبي لا غير.

استغلّت ايران التهور الذي اتسمّت به السياسة الخارجية لادارة جورج بوش الابن كي تضع يدها على العراق. حصل ذلك عبر التسهيلات التي قدّمتها للاميركيين وعبر احزاب دينية تابعة لها وعبر ميليشيات مذهبية اختارت ان تتدرب في اراضيها تمهيدا للمشاركة في الحملة العسكرية الاميركية في العام 2003.

لم تكتف ايران بالتحالف مع «الشيطان الاكبر» الاميركي في الحرب على العراق، بل استغلت لاحقا غياب اي استراتيجية شرق اوسطية لدى ادارة باراك اوباما لتشجيع الانفلات الكامل للغرائز المذهبية والانتقام من السنّة العرب. كانت السياسة الايرانية في العراق وراء ايجاد حاضنة لـ «داعش» الذي يتغذّى من وجود «الحشد الشعبي» الذي يرمز الى دور الميليشيات المذهبية في مجال الحلول مكان مؤسسات الدولة العراقية، بما في ذلك جيشها وقواها الامنية.

ليس العراق وحده الذي يعاني من سياسة ايرانية مهتمّة باثارة الاضطرابات في كلّ المنطقة والموجّهة ضد دول مجلس التعاون الخليجي في مقدّمتها المملكة العربية السعودية. ماذا ينفع على سبيل المثال فوز الاصلاحيين بقيادة الرئيس روحاني والرئيس السابق هاشمي رفسنجاني اذا كانت ايران مصرّة اتباع سياسة الشاه الراحل الذي احتلّ الجزر الاماراتية الثلاث في العام 1971؟ كيف يمكن لايران التبجح بانّها تدعو الى الاستقرار في المنطقة بينما ترفض حتّى فكرة التفاوض في شأن الجزر الثلاث ابو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى؟ ما الفارق بين هذه السياسة الايرانية والسياسة التي تتبعها اسرائيل عندما تسعى الى فرض امر واقع عن طريق الاستيطان في الضفة الغربية وفي القدس الشرقية؟

يمكن ان نضع سورية جانبا، كذلك اليمن الذي حاولت ايران السيطرة عليه بهدف تطويق السعودية والدول العربية في الخليج. ما ذنب لبنان كي يعاني كلّ هذه المعاناة من السياسة الايرانية؟

حلّ السلاح الايراني مكان السلاح الفلسطيني على نحو تدريجي منذ العام 1982. هناك سعي ايراني، منذ قيام «حزب الله» في تلك السنة، من اجل تغيير طبيعة المجتمع الشيعي في البلد. نجحت ايران في ذلك الى حدّ كبير وذلك عن طريق السلاح غير الشرعي الذي يتحكّم بمصير لبنان واللبنانيين.

قضت ايران على المحاولة الجدّية الوحيدة لاستعادة لبنان عافيته وذلك بعدما تبيّن ان عناصر من «حزب الله» متّهمة بتنفيذ عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. فوق ذلك كلّه، يرفض الحزب تسليم عناصره المتهمة الى القضاء الدولي. اظهرت كلّ تصرّفات الحزب منذ لحظة وقوع الجريمة وما تلاها من اغتيالات وتفجيرات ان لا هدف لايران سوى وضع اليد على لبنان كلّه.

كانت البداية في ملء الفراغ الامني الناجم عن الانسحاب العسكري السوري في العام 2005... وصولا الى منع انتخاب رئيس للجمهورية هذه الايّام. لا هدف واضحا لايران منذ سنوات طويلة سوى افقار اللبنانيين وتيئيسهم، اضافة بالطبع عزل لبنان عن محيطه العربي، فضلا عن جعل وزير الخارجية فيه واسمه جبران باسيل موظّفا في الخارجية الايرانية.

هل يتغيّر شيء في ايران بعد الانتخابات؟ هذا هو المهمّ بالنسبة الى الايرانيين انفسهم الذين يتوقون الى الخروج من تحت نير نظام متخلّف، وهذا هو المهمّ ايضا بالنسبة الى دول المنطقة، خصوصا الدول العربية، بما فيها لبنان. في النهاية، هل ايران دولة طبيعية ام لا وذلك بغض النظر عما اذا كان الاصلاحيون اقوياء في مجلس الشورى وبات لهم صوت في مجلس الخبراء.

لا يختلف اثنان على ان ايران دولة ذات حضارة قديمة في غاية الاهمّية في المنطقة. ولكن بين ان تكون الدولة مهمّة وان تلعب دور القوّة المهيمنة في الاقليم فارق كبير. من المهمّ ان تهتمّ ايران في امور الايرانيين، الذين اكثر من نصفهم تحت خط الفقر، وان تكفّ عن لعبة تخريب دول المنطقة مستخدمة مشروعها المذهبي وميليشياتها التي لا تمتلك اي قيم حضارية تليق بدولة حديثة من ايّ نوع.

سيظلّ لبنان احد الاماكن التي يمكن ان تظهر فيها ايران ان شيئا ما تغيّر فيها وان لديها ما تصدّره غير التحريض على كلّ ما هو عربي في المنطقة والمتاجرة بالفلسطينيين وقضيّتهم.

هل تنجح ايران في الامتحان اللبناني حتّى يصبح في الامكان القول انّها تغيّرت وان نتائج الانتخابات الاخيرة تعني شيئا، حتّى بالنسبة الى الايرانيين؟ هل بات لدى ايران ما تصدّره الى لبنان غير السلاح المذهبي الذي لا هدف له سوى قهر اللبنانيين وتدمير ما بقي من مؤسسات في الوطن الصغير؟

الاهمّ من ذلك كلّه، ينتظر اهل المنطقة من ايران زوال الوهم الذي يتحكّم بالمسؤولين الايرانيين... وهم القوّة الاقليمية القادرة على ممارسة دور يتجاوز حدودها. ما هذه القوّة الاقليمية التي تحتل الجزر الاماراتية وترفض التفاوض في شأنها؟ ما هذه القوة الاقليمية التي تمارس التطهير العرقي من منطلق مذهبي في العراق؟ ما هذه القوّة الاقليمية الذي ليس لديها ما تفعله في سورية سوى دعم نظام اقلّوي مرفوض من الاكثرية الساحقة من شعبه؟ ما هذه القوّة الاقليمية التي ليس لديها ما تقدّمه للبنان سوى مزيد من الخراب والدمار والفقر من اجل القول ان النفوذ الايراني تمدّد الى شواطئ البحر المتوسّط...