الفارق بين هيلاري وأوباما
| خيرالله خيرالله |
1 يناير 1970
04:44 ص
ما الذي يمكن ان يتغيّر في اميركا في حال انحصرت المنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب؟ لن يتغيّر الكثير باستثناء ان المرشحة الديموقراطية ستكون قادرة على الفوز على ترامب، للاسباب ذاتها التي مكّنت باراك اوباما من العودة الى البيت الابيض في اواخر العام 2011.
عكَس فوز باراك اوباما مرّتين تغييرا عميقا داخل المجتمع الاميركي والتركيبة الداخلية للقوة العظمى الوحيدة في العالم.
يفوق هذا التغيير في اهمّيته التمديد في 2011 لرئيس تمرّ بلاده في ازمة اقتصادية عميقة، لعلّ افضل تعبير عنها نسبة البطالة التي تفوق 8 في المئة من اليد العاملة. نادراً ما يمدد الاميركيون ولاية رئيس حين تكون نسبة البطالة في هذا المستوى. حصل ذلك مرّة واحدة في الماضي، حتى أن رئيسا استثنائياً مثل جورج بوش الاب فشل في العام 1992 في الحصول على ولاية ثانية بسبب الاقتصاد.
يعكس عمق التغيير الذي طرأ على الخريطة الانتخابية الاميركية انّه كان هناك في مواجهة اوباما مرشح جمهوري اسمه ميت رومني. خسر رومني رغم حصوله على نسبة تسعة وخمسين في المئة من اصوات الناخبين البيض. في الماضي، كانت هذه النسبة اكثر من كافية لفوز اي مرشح بالرئاسة، ذلك أن البيض ما زالوا يشكّلون نسبة 72 في المئة من السكّان.
لكنّ الجديد في الامر، أنّ هناك قوى صارت تُقبل على التصويت عن طريق تسجيل نفسها في القوائم الانتخابية. كانت هذه الطريقة التي يستخدمها في الماضي اليهود الاميركيون كي يثبتوا وجودهم كقوة انتخابية قادرة على لعب دور في الولايات المتأرجحة. بفضل اصوات السود والمتحدثين بالإسبانية والنساء والشباب، استطاع اوباما حسم كلّ هذه الولايات لمصلحته.
برزت قوى جديدة في اميركا. صار هناك إقبال على التصويت من السود. نسبة الذين صوتوا لمصلحة اوباما بين السود بلغت 93 في المئة، وبين الذين يتكلمون الإسبانية، اي الآتين من دول اميركا اللاتينية وكوبا 71 في المئة، وبين ذوي الاصول الاسيوية 73 في المئة. هؤلاء سيصوتون بالنسبة نفسها تقريبا تقريبا لهيلاري.
كانت نسبة النساء التي صوتت لمصلحة اوباما، 55 في المئة. ليس مستبعدا ان تزيد هذه النسبة في حال كانت هيلاري المرشحة الديموقراطية. ما لا يمكن تجاهله ايضا أن نسبة اليهود الذين صوتوا لمصلحة المرشح الديموقراطي كانت نحو 70 في المئة. وهذا يعني أن اكثرية اليهود في اميركا من الليبيراليين الذين لا يريدون مزيدا من الحروب ويرفضون السياسات المتزمتة لليمين الاميركي.
منذ انتهاء الحرب الباردة، اي منذ انتصار اقتصاد السوق على ما يسمّى الاقتصاد الموجه ونظام الحزب الواحد الاوحد، بدأت اميركا تتغيّر من داخل. صحيح أنها لا تزال القوة العظمى الوحيدة في العالم بسبب ما تملكه من اسلحة وجيوش وتقدم تكنولوجي وبسبب قدراتها الاقتصادية الضخمة، لكنّ الصحيح ايضا أن للديموقراطية ثمنا. وهذا الثمن هو السماح بنشوء قوى جديدة في داخل البلد. لا يمكن تجاهل هذه القوى ما دام كلّ مواطن اميركي، بغض النظر عن اصوله ولونه وعرقه وموقعه الاجتماعي وثروته وميوله الجنسية يمتلك حق التصويت. هذا واقع لا يمكن تجاهله عندما يتعلّق الامر بتطبيق النظام الديموقراطي القائم على أنّ لكل مواطن الحق بالإدلاء بصوته. يتساوى الفقير والغني والاسود والابيض والرجل والمرأة.
اكثرية الذين يحق لهم التصويت اختاروا إعطاء ولاية جديدة لأوباما، معتبرين أنه مارس سياسة خارجية حذرة حازت على اعجابهم، فيما عمل في الداخل على استرضاء القوى الحية في المجتمع، خصوصا الذين يتكلّمون الاسبانية. هؤلاء صاروا قوة لا يستهان بها ومكّنوا المرشح الديموقراطي من الفوز، وإن بفارق ضئيل، في ولاية فلوريدا التي حسمت فيها المعركة بين بوش الابن وآل غور في السنة 2000 لمصلحة المرشّح الجموري.
تغيّر اوباما ام لم يتغيّر، لا بدّ من التعاطي مع اميركا مختلفة، فيها اكثرية تعارض أي حروب جديدة، خلافا لما تريده إسرائيل. ولذلك لم يوجه اوباما ضربة الى ايران بعدما التزمت حدودا معيّنة في ما يخص برنامجها النووي. قبلت ايران في نهاية المطاف التوقيع على اتفاق في شأن ملفّها النووي، مستفيدة من كون المستشارين الاساسيين للرئيس الاميركي الاسود ايرانيي الهوى من جهة، ولا يرتاحون الى العرب من جهة اخرى.
راهن الاميركيون على أن اوباما سيريحهم من كابوس افغانستان، مثلما اراحهم من كابوس العراق، ولو كان ذلك على حساب العراقيين، كما لن يتدخّل عسكريا في سورية، ما دام النظام سقط، وكلّ ما يستطيع عمله هو متابعة التفرّج على قتل السوريين. اين المشكلة في ذلك بالنسبة الى الناخب الاميركي؟
أساء اوباما الى العرب بشكل عام، بعدما فضّل تأجيل التعاطي المباشر مع مشاكل المنطقة، بما في ذلك سورية، والمشكلة الكبرى الاخرى التي اسمها اليمن. لا شكّ ان مشكلتي سورية واليمن ستتفاعلان في عهد الرئيس الجديد، وستكونان قنبلتين موقوتتين لهيلاري، التي لا يمكن ان تسمح لنفسها بالاستسلام لايران وروسيا كما فعل سلفها.
كان يفترض في كلّ من يسعى الى فهم ادارة اوباما أن لا تغيب عن باله عبارة وردت في خطاب ألقاه الرئيس مباشرة بعد انتصاره. تحدّث الرئيس الاميركي عن «التحرر من التبعية للنفط المستورد». كان ذلك يعني إعطاء الاولوية للداخل الاميركي. كان ذلك، في ما يبدو، طموح الاميركيين في السنة 2012...علما انه كان عليهم ألا ينسوا انّهم اذا لم يذهبوا الى الشرق الاوسط، فإن الشرق الاوسط سيأتي اليهم. حصل ذلك في الماضي القريب. هناك إدارات ارادت أخذ مسافة من الشرق الاوسط ومشاكله، هذا ما فعله اوباما، الذي اختزل كل مشاكل المنطقة بالملفّ النووي الايراني.
كان باراك اوباما تعبيرا عن صعود قوى جديدة في الولايات المتحدة. اذا لم تحصل مفاجأة تجبر هيلاري على الانسحاب، ستكون الرئيس المقبل للولايات المتحدة. سيساعدها في ذلك أن الشخص الوحيد الذي كان يستطيع المنافسة الجدية هو الجمهوري جيب بوش، الذي خرج من السباق الرئاسي باكرا.
من حسنات هيلاري، مقارنة بأوباما، انّها تعرف الشرق الاوسط. تعرف خصوصاً ان في استطاعة واشنطن دي سي الابتعاد عنه، وانّه اذا لم تأت اميركا اليه، بغض النظر عن مدى تحرّرها من نفطه، فلن يكون بعيدا اليوم الذي سيطرق باب البيت الابيض. سيطرقه من بوابة الارهاب هذه المرّة وليس من بوابة النفط. والارهاب ليس مقتصرا على تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) فحسب، بل هو ايضا خليط من المنظمات السنّية والشيعية، لا تبدو ايران التي سعى اوباما الى استرضائها بعيدة عنها.