تكنولوجيا

المدينة الذكية ... تكريس الاستدامة

1 يناير 1970 01:19 ص
منذ وقت ليس ببعيد، كانت الهواتف الذكية موجودة في الخيال فقط ولم نكن نسمع بما يعرف بالأدوات التكنولوجية القابلة للارتداء أو ما شابه، وها قد جاء الوقت الذي أصبحت كلمة «ذكي» تستخدم لوصف «الأجهزة» وليس «الأفراد»، فما عليك سوى القيام بإلقاء نظرة من حولك، وسترى بأن العالم قد تغير.

سواء كنا نعمل أو نتعلم أو نلعب أو نشتري سلعة ما أو نمضي في رحلة سفر أو نقوم بإدارة مواردنا المالية أو نمارس تمارين اللياقة أو نجلس أمام التلفاز، فنحن نتوقع وصولاً أسرع وأكثر سهولة للخدمات في جميع الأوقات، ومن خلال جميع الأجهزة المتاحة لنا، والأكثر من ذلك، أننا نتوقع الحصول على تجربة رقمية أكثر تكيفاً مع تطلعاتنا الشخصية من دون حل وسط.

ويزداد التوسع الحضري في العالم بوتيرة متسارعة للغاية ووفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، سيتمركز بحلول العام 2050 ما يقارب 70 في المئة من سكان العالم في المناطق الحضرية مقارنة بنسبة 54 في المئة المسجلة في العام 2014. وهناك توقعات كبيرة بأن تستحوذ دول مجلس التعاون الخليجي على أحد أعلى معدلات التجمع السكاني في المناطق الحضرية على النطاق العالمي بنسبة تتراوح من 80 إلى 100 في المئة.

وفي ظل هذا التوسع الحضري، يرتفع حجم الاختناقات المرورية ويزداد التلوث باستمرار، وتستنفد إمكانية الحصول على الإمدادات الأساسية مثل الكهرباء والمياه.

وقبل أن نتمكن من معرفة عدد الأشخاص الذين يمكنهم العيش في المدن فإننا سنجد أن أعدادهم تفوق ما يتوافر من موارد وبنية تحتية.

ولذا يجب على الحكومات أن تفكر في أفضل السبل لإدارة المدن وتخصيص مواردها، فالمدينة الذكية ضرورة للبقاء فهي بنية تحتية سريعة الاستجابة وقادرة على التكيف مع التحول المفاجئ في اضطراب العرض والطلب.

وتعتبر المدينة الذكية وسيلة للحكومات لتحسين نمط حياة سكانها من خلال تأمين بيئة آمنة، وتخصيص أفضل لموارد المدينة وتحقيق التنمية الاقتصادية، وتكريس الاستدامة والتشجيع على الابتكار.

وتسمح الشبكات الذكية، المزودة بالعدادات والمنازل الذكية أو حتى مجرد الأجهزة المنزلية الذكية للمدينة بإدارة وتحسين إمدادات الطاقة على الوجه الأمثل، من خلال مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والتحويل الذكي للنفايات إلى طاقة ووقود ومعالجة مياه الصرف الصحي على نحو أفضل.

وتؤدي الطرق الذكية ووسائل النقل المزودة بأجهزة الاستشعار المتكاملة والدوائر التلفزيونية المغلقة إلى إدارة المرور الذكية، والتي تؤدي بدورها إلى ازدحام أو تلوث أقل، وإنقاذ حياة الناس من خلال سرعة الاستجابة لحالات الطوارئ، كما وأنها تساعد الشركات على التخفيف من تلوث البيئة وخفض التكاليف وتحسين الوقت إلى السوق من خلال وسائل النقل متعددة الوسائط.

وتعمل الدوائر التلفزيونية المغلقة جنباً إلى جنب مع تحليلات البيانات في الوقت الحقيقي ما يقلل، إن لم يكن يمنع تماماً الجرائم ويؤدي إلى معيشة أكثر أمانا.

وتقوم الأجهزة المتصلة،المتكاملة القابلة للارتداء والأجهزة الذكية المتصلة بالإنترنت بنقل وتحليل البيانات الصحية والمعلومات الحيوية في الوقت الحقيقي، ما يؤدي إلى استجابة سريعة، مبكرة ودقيقة للمقدرة العلاجية التشخيصية والوقائية ما يؤدي إلى مجتمع أكثر صحة وكفاءة أفضل للتكاليف الطبية.

ونحن نشهد ظهور مجتمعات تعتمد على البيانات الرقمية ويقطنها مواطنون رقميون، يتوقعون دائماً مستوى عاليا من الخدمات الشخصية، ولكي يتحول مركز حضري إلى مدينة ذكية متينة، نحتاج إلى الأساس القوي من تقنية المعلومات والاتصالات، الأمر الذي يعطيها القدرة المرنة والفعالة من حيث تكلفة البنية التحتية المعرفية بالبرمجيات، والتي تقوم بتشكيل أساس سحابة المدينة الذكية لتوفير خدمات إضافية أسرع حسب طلب المواطن، كما تحتاج إلى طبقة بحيرة بيانات لتجميع وإدارة وتحليل البيانات التي ترسل وتتسلم من خلال إنترنت الأشياء، وهو ما يساعد على تكوين التصورات القابلة للتنفيذ والتنبؤ بما يلزم لتوفير بيئة عمل أكثر راحة وأمناً.

وإلى جانب ذلك تحتاج المدن الذكية إلى تطبيقات تتيح توزيع ونشر جميع المعلومات والخدمات التي تحتاجها المدن، من أجل تقديمها للمواطنين والمقيمين والمجتمع ككل.

ويساعد هذا الأمر المدن بتطوير وتعديل التطبيقات والخدمات على نطاق واسع خلال فترة أقصر من المعتاد، وتسريع الابتكار والنمو في السوق.

هل هذا يعني أنه يجب على المدن التخلص من كل استثمار تم بذله في مجال تقنية المعلومات والاتصالات، وأن تبدأ في بناء أساس تقنية المعلومات والاتصالات من نقطة الصفر؟

بالطبع لا!

وتعد المدينة الذكية مشروعاً متكاملاً في مجال تقنية المعلومات متعدد المراحل وطويل المدى، وهو يبدأ بوضع إستراتيجية شاملة تشارك فيها جميع الجهات المعنية وأصحاب المصلحة الذين يشملهم الهدف النهائي، ويجب أن يبدأ التنفيذ من البنية التحتية القائمة على الخدمات والتي ترتكز على الانتقال التدريجي إلى شبكة واسعة من الخدمات، ومن ثم إلى الاندماج الكامل، ويعتبر هذا نموذجا أكثر استدامة وقابلا للتطوير.

وينبغي على استراتيجية المدينة الذكية أيضا أن تغطي أمن البيانات وإمكانية وسهولة الوصول إليها، وسياسة الخصوصية لأن أي خرق في أمن البيانات يؤثر على ثقة المواطنين في حكوماتهم، ويجب أن يكون لدى المدينة الذكية الحلول المتاحة مثل تشفير البيانات وإدارة الهوية وإمكانية الوصول، فضلاً عن رصد وتحليل الحالة الأمنية، لضمان أمن وسلامة شبكات المدن، وهناك أيضاً حاجة ملحة لقوانين الجرائم الإلكترونية وقوانين البيانات لتنظيم استخدام الكميات الهائلة من البيانات المشتركة.

لقد قطعنا بالتأكيد شوطاً طويلاً، فشهدنا بداية رحلة رائعة بحيث اننا جميعاً نعمل لتحقيق نفس الهدف وهو السعادة، ولم تعد المدن الذكية مجرد رؤية بفضل حكومتنا، التي بدأت بالفعل إدخال التطبيقات الذكية، والخدمات المبتكرة في جميع مرافق وإدارات النقل لتلبية الخدمات بطريقة أسرع وأكثر كفاءة.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يجب علينا جميعاً العمل يدا واحدة مع الحكومات ومخططي المدن، ومقدمي المرافق، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وموردي البنية التحتية، جنباً إلى جنب مع المواطنين والمقيمين للتأكد من أن هناك بنية أساسية تعمل بكفاءة وفعالية، وكما يقولون: «الفرد للجميع والجميع للفرد».

* نائب الرئيس الأول والمدير الإقليمي بشركة إي إم سي لمنطقة تركيا وأوروبا الشرقية وأفريقيا والشرق الأوسط.