صدرت عن دار نشر «المحروسة»
«السرادق» لأيمن شرف... رواية تعلن نهاية «الأسطورة»
| القاهرةـ «الراي» |
1 يناير 1970
08:55 م
المؤلف يحيل قارئه إلى مجموعة من المصادر والكتب التاريخية للرجوع إليها
الرواية تنتمي عبر فصولها إلى عصور وأزمنة مختلفة
صدر عن دار نشر «المحروسة» رواية «السرادق» للكاتب المصري أيمن شرف، رئيس تحرير مجلة «مصر اليوم» الناطقة بالألمانية، ورئيس تحرير جريدتي الدستور والعربي الناصري السابق، وصمم غلافها الفنان يحيى السيد.
يشير غلاف الرواية، ومقدمتها القصيرة بعنوان «كلمتي للآخرين»، إلى أنها رواية ذات طابع تاريخي معنية بمصر ونطاقها الثقافي، وتعبّر عن موقف تأملي تجاه التاريخ القديم والحديث يخرجها عن حيز الرواية التقليدية من حيث بنائها، أو حتى الرواية التاريخية التي تستخدم سياقات الماضي لتعبّر عن الحاضر. بل إنها بطريقة ما تحفز القارئ من البداية على إعادة قراءة التاريخ.
يقول مؤلفها في مقدمته «من يبدأ رحلته في هذا العالم بقلب منغلق لا يصل أبدا.. ومن يتأمل الحياة بقلب منفتح جريء ثم لا يقول كلمته للآخرين لا يستحق الوجود من الأصل.. حتى أثبت أحقيتي في الوجود».
مضيفا: «ألّفت هذه «الراوية ـ الكتاب» متمنيا على القارئ أن يرجع إلى مصادر التاريخ المعتبرة كلما حثه شيء في هذا الكتاب على ذلك».
وفي نهاية الكتاب، يحيل المؤلف قارئه بالفعل إلى مجموعة من المصادر والكتب التاريخية للرجوع إليها إذا لزم الأمر، وهي على ما يبدو كانت مصادر رئيسة استعان بها الكاتب في صياغته لشخصياته.
ويظهر الراوي متحدثا بضمير المتكلم في البداية، ثم يختفي بعد دخوله السرادق ليترك الخيط في يد شخوص المعزين، وهم أشخاص واقعيون شاركوا في صنع التاريخ، أو كما تسميهم الرواية «وجهاء التاريخ»، أو هم كيانات فكرية احتلت مساحة في عقل البشر، يجتمعون مشدودين بضغط حدث افتراضي، هو أداء واجب العزاء في فقيد كبير، يحللون تاريخهم وفقا لنتائجه التي استقرت ـ بعد أن حدثت ـ وليس وفقا لدوافعهم وقت صناعته، ووفقا لوعي الحاضر وليس الماضي البعيد، فيرون أخطاءهم.
وحتشبسوت تعترف أن كهنتها اخترعوا قصة ولادتها المقدسة وأن آخرين انتحلوا القصة لأنفسهم بعدها ليبرروا شرعية سلطتهم.
وسبارتاكوس يتهم فاروق ابن الحطاب، بأنه فرّق بين الجارية والحُرّة في الحقوق الإنسانية، وأن حكمه استعبد شعوبا أخرى باسم العقيدة، ولم يحرِّم الرق صراحة كما حرَّم أشياء أخرى أقل ضررا.
والسادات يتهم ناصر بأنه السبب في قتله، لأن معالجة عيوب نظامه ـ التي كان ناصر هو الأجدر على القيام بها ـ فرضت عليه «على السادات» عداء الجميع، وجيفارا والسادات يختلفان حول ضرورات الثورة الدائمة وأساليب إدارة الدول.
وكونفوشيوس بوصفه ممثلا لعقائد آسيوية ينتقد العقائد التي لم تكتف بتحسين أخلاق الناس واستعدت الآخرين على نفسها وحاربتهم من أجل بناء ممالك ودول. ويتشابه مبارك مع حسن البنا، ويحدد كل منهما وفريق معاونيه ومرشديه نظرته للفريق الآخر. ومحمد علي يتهمهما معا بتضييع أسس الدولة التي أنشأها.
ولينين يؤلمه أن أتباعه حولوا رؤيته إلى ما يشبه الدين «وتحولت المكاتب السياسية للأحزاب الشيوعية في العديد من البلدان إلى ما يشبه الكهنوت المغلق».
وماركس يعترف بأنه ورفاقه المعادين للرأسمالية استبدلوا «عبودية فرد لآخر بعبودية الجميع للنظام.. للدولة الشيوعية.. في خضم حماسنا لفكرتيّ المساواة والعدل لم ندرك استحالة مساواة البشر، وفاتنا أن ليس بإمكان أحد أن يصنع وحدة معيارية لجهد البشر على اختلافهم».
إلى جانب هذه الشخصيات، التي تنتمي إلى عصور وأزمنة مختلفة يحضر ويتفاعل في أقل من 200 صفحة من القطع المتوسط داخل سرادق العزاء آخرون مثل «أول الواقفين» وامرأته «حياة» وابنه نيروز وعم نيروز، وشجر الدر، وكليوباترا، و«صفية العامرية»، و«صفية المندلية»، و«ابن أمه» وغاندي و«عُدي بن أبي غالب» و«فلافيوس الروماني»، وإيما برونر تراوت عالم المصريات الألماني، و«بشير بن عبدالواحد بن قصي الجرهمي»، و«مختار وحكيم»، ونجيب محفوظ وجارثيا ماركيز، ومحمد نجيب ويوسف إدريس، وبن جوريون وأيزنهاور وماو تسي تونج، وضاحي والحنفي، وعبدالله ابن أحمد النسفي وأمية بن خلف، والواقدي والبغوي وسلمان رشدي، وتحية كاريوكا وإدوارد سعيد، وعبدالله القصيمي الصعيدي، وعمر سليمان وأسامة الباز ومصطفى مشهور، و«الوجه الجديد» وأحمد بن علي المقريزي وزين العابدين محمد بن أحمد بن إياس، وكبير السعاة، والكيانات الفكرية أوزوريس أبوشرابة وإيزيس ونوت وحورس الأفق وست وآتوم ورع وآمون مين وتحوت، والملاحون الأزليون سيا وحكا وهو، وإخناتون، ومو- سا، وطه حسين وفرويد، ومانيتون وجبتو بتاح وجبتو الصغير وجبتانا، وجيمس هنري بريستد، ومحمود درويش.
ونهاية أحداث الرواية تفرض على المعزين أن يتساءلوا في نهايتها تساؤلات حادة عن معنى الزمن؟ وعن أنهم في الأصل كائنات بلا زمن! عن أن «الأوهام في حياتنا أكثر من الحقائق، والتصورات النظرية تتجاوز الوقائع، والتاريخ الذي صنعناه انزلق من بين أيدينا.. المقدمات لم تعد سبب النتائج، والمنطق فقد معناه... حتى العبث أصبح قاصرا عن تفسير ما حدث»، وفي الوقت نفسه ينكشف كل شيء.الرواية مكثفة إلى حد بعيد، وهو ما يمكن ملاحظته ببساطة في تعدد الأفكار العامة والتفصيلية التي تناقشها.. دور الفرد في التاريخ ومدى تأثيره على الدوافع والاتجاهات العامة للجماعات البشرية، دور الأسطورة والأيديولوجيا في تشكيل الوجدان الإنساني وتحديد مصير المجتمعات، تداخل وانتقال الرؤى الكلية للعالم وتحورها من جيل إلى جيل، نشأة المجتمع المصري القديم على ضفاف النيل، تطور الوعي الإنساني بالظواهر وتحوله إلى أساطير واعتقادات وانتقالها وتداخلها مع غيرها في محيط الجوار في العالم القديم، دور الأحلام في صنع التاريخ، وعي وفهم الإنسان لذاته وتأثيره على فهمه للعالم، انكشاف الأيديولوجيات «المتحجرة» نتيجة لتطور الفكر النقدي العقلاني.تتراوح معظم فصول الرواية الـ«25» المقسمة طوليّا حسب الأحداث ما بين أربع إلى ثماني صفحات، وتقصر أحيانا فلا تزيد على صفحة واحدة وتطول أحيانا أخرى حتى 30 صفحة مثل الفصل الأخير، باستثناء أربعة فصول طويلة نسبيّا.