ثقافة السرعة وسرعة الثقافة

1 يناير 1970 06:21 ص
بالرغم من برودة الجو في فصل الشتاء الحالي ووصول درجة الحراة إلى ما دون درجة الصفر المئوية في بعض المناطق في دولة الكويت، إلا أن هذا لم يكن عائقا أمام منظمي مهرجان القرين الثقافي (22) من متابعة أنشطتهم الثقافية المتنوعة والتي توزعت فعالياتها على عدة مواقع في الدولة.

إنه شتاء حافل بكل المقاييس بأنواع شتى من الأنشطة الثقافية ولكنه شتاء من نوع خاص وخاصة مع بداية العام 2016 والذي انطلقت معه فعاليات إقرار الكويت كعاصمة للثقافة الإسلامية. يشرف المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب على هذه الفعاليات بشكل متقن وخاصة بعد الخبرات المتراكمة على مدار السنوات والتي تحققت بسبب حرص القائمين على المجلس من أجل تنويع مصادر الثقافة وعرضها بما يتوافق مع مختلف الأذواق ويأتي على قمة هذه الأنشطة معرض الكتاب السنوي والذي تتم فعالياته في أرض المعارض الدولية وما يصاحبه من أنشطة ثقافية عديدة.

وفي يوم من تلك الأيام الباردة جدا اصطحبت أسرتي وتوجهنا لمسرح الفنان عبدالحسين عبدالرضا لمشاهدة عرض الفرقة القومية للفنون الشعبية العراقية (لوياك)، وقد كان الحضور متميزا جدا بالهدوء وحسن الإنصات ما أضفى جوا شاعريا وحضاريا بامتياز أدهشني بسبب تجاربي السابقة في هكذا مناسبات عندما كان يصاحبها حضور أناس لا تعير اهتماما لمشاعر الآخرين، وهواتفهم لا تتوقف عن الرنين وضجيجهم يصم الآذان بشكل أفقدني مرارا وتكرارا متعة المتابعة والاستمتاع بالعروض.

والمهم أن الفرقة القومية العراقية قدمت عروضها بشكل متناسق وجميل وصاحب عروضهم نغمات أصيلة من تراث بلاد الرافدين وقد عرضوا ما لا يقل عن عشر لوحات فنية بملابس مختلفة تناسب كل عرض منها. كان وقتا ممتعا عشت فيه في حواري بغداد القديمة وتحت ظلال النخل وعلى شواطئ أنهارها وفي شارعها الشهير «شارع المتنبي» والذي كان يضم أعرق مكتبات العراق وأقدمها. وكم كان مؤلما أن يكون العرض الجميل هذا قد رافقه عرض آخر في خيالي لما يجري من حرب لا تبقي ولا تذر في مناطق عديدة من العراق وازدياد الروح الطائفية الكريهة واشتعالها والتي إن استمرت فلا يعلم عقباها إلا الله.

لم يعجب العرض أولادي وبدأوا بالتبرم وأحدهم غادر القاعة في حين نام الثاني والثالث بدأ يعبث بحاسوبه اللوحي وقد بذلت جهدا في محاولة إقناعهم بأن العروض رائعة لو أحسنوا الاستماع والإنصات، مع إدراكي أن ذوقي مختلف تماما عن ذوقهم بحكم فارق السن والثقافة، حتى أن أصغر أولادي قد طلب مني وبصراحة بالغة أن نذهب لحضور فعاليات هلا فبراير وبالأخص الحفل الغنائي الذي يغني فيه الفنان المغربي «سعد المجرّد» أغنيته الشهيرة جدا «يا معلم» عوضا عن هذه الحفلة.

وبالتأكيد فإن هذا الفارق الثقافي لا بد لكل أب وأم أن يأخذاه بالحسبان فجيل هذه الأيام الذي تربى ونشأ على السرعة الفائقة في كل شيء مثل الأغاني السريعة والوجبات السريعة والتكنولوجيا الرقمية الحديثة وثورة الإنترنت التي سحبت البساط من تحت أقدامنا بشكل يهدد دورنا كآباء وأمهات في تربية أبنائنا التربية التي نعتقدها صحيحة ووفق مفاهيمنا ومعتقداتنا الدينية.

ولأجل ذلك كان لا بد أن تساهم المؤسسات الثقافية المتنوعة في كل بلد بشكل فعال وضمن ثقافة العصر السريعة، وأن تتواءم وسائلها مع هذه السرعة وتصل إلى المستوى الذي تستطيع فيه مجاراة عقول أبنائنا وبناتنا وتعمل على لفت انتباهم واستقطابهم من أجل صقل مواهبهم ومهاراتهم وتحصينهم من الثقافات المستوردة التي تحمل في طياتها الكثير من المخاطر وأولاها ثقافة تقبل الآخر مهما كان مختلفا أو شاذا حتى يصبح ما هو محرم في ديارنا مقبولا وأمرا طبيعيا.

ولذلك فإني أتمنى على القائمين على هذه المنتديات والاحتفالات الثقافية أن يزيدوا من جرعة الاهتمام بالطفل ويعملوا مع المتخصصين في هذه المجالات لكي لا يفوتنا القطار ونفقد فلذات أكبادنا ونحن نسير ببطء شديد ونحاورهم بكلمات الأمس التي لا يفهمونها لا جملة ولا تفصيلا.

ومع كل هذه الجهود المبذولة على مستويات عدة من مهرجان القرين الثقافي إلى الكويت كعاصمة للثقافة الإسلامية وانتقالا إلى شهر فبراير شهر الاحتفالات والمناسبات الوطنية، فلا بد لي أن أشكر كل الجنود المعروفين والمجهولين على هذه الجهود المضنية والتي يقينا قد احتاجت الكثير من الأيام للتحضير والترتيب والتنسيق.

خاطرة:

بدأ التصحر الأخلاقي والثقافي في بلادنا بالتوسع.

اللهم ارزق أمتنا الغيث لتثمر فيها حدائق الأخلاق الغنّاء اللهم ولا تجعلنا من القانطين.