الاحتباس الحراري... طريق النهاية للإنسانية

1 يناير 1970 04:47 م
| تعريب عمرو علي زين العابدين |

ليس الإرهاب وحده هو الذي يهدد الأمن والسلم العالمي حالياً، هناك مسألة أخرى لا تقل خطورة، واصبح على دول العالم كله الالتفات لها ومواجهة استفحالها قبل أن تتحول الى كارثة لا يمكن لأي قوة التصدي لها.

الآن، نحن نعيش عصر تداعيات تغير المناخ، هذه حقيقة وليست نتاج خيال علماء، تغير له ظواهره ومؤشراته التي لا يمكن تجاهلها، والتي يمكن أن تسفر كما يتخيل أحد السيناروات عن قلق واسع من ناحية الأمن، وتوترات اقليمية حادة، وموجات هائلة  من الهجرات بحثاً عن الموارد، والأكثر خطورة هو استغلال «الإرهاب» لتلك الفوضى المتوقعة. واضافة لذلك فهناك تنبؤات عن ازدياد الاحتمالية لنشوب حرب نووية.

هذه المرحلة الجديدة والمخيفة في عمر الإنسانية تحذر منها دراسة صدرت أخيراً عن «المركز الأميركي للأمن المعاصر» تحت عنوان «عصر العواقب: انعكاسات ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي على السياسات الخارجية والأمن القومي» تأليف: كيرت كامبل وآخرين.

ورغم ان الدراسة تهتم في الأساس بتأثير المناخ على الشأن الأميركي، الا انها من ناحية أخرى ترصد ما سيحدث على مستوى العالم كله.

ولأهمية الدراسة تقدم «الراي» ملخصاً لها.

في أغسطس من عام 2007 هبط أحد المغامرين الروس نحو 4300 متر أسفل ثنايا جليد القطب الشمالي ليزرع علماً من التيتانيوم، لينسب بهذا ما يقرب من 1.2 مليون متر مربع من المنطقة القطبية لوطنه الأم روسيا.

وحتى لا يفوته الدور فقد صرح رئيس وزراء كندا عن عزمه زيادة وجود دولته العسكري في المنطقة القطبية، وتزامن هذا مع تزايد الساعين للحصول على حصص بسبب الاكتشاف الأخير الذي جعل المضيق الشمالي الغربي المتجمد متاحاً للملاحة للمرة الأولى في التاريخ المكتوب.

وفي منطقة أخرى من العالم نجد التصحر المتزايد في منطقة دارفور يدخل كعامل اضافي في تركيبة التوترات بين رعاة الغنم القبليين ومزارعي الحقول الأمر الذي يهدد بخلفية بيئية للابادة الجماعية.

وفي بنغلاديش - أحد أكثر البلدان كثافة سكانية في العالم - نجد أن خطر الفيضانات الساحلية يزداد، ما يهدد بتشريد نحو 30 مليون نسمة من أراضيهم بحثاً عن ارض، يضاف لهذا ان بنغلاديش امة تمور بالعنف السياسي وتزايد صعود تيار التطرف الاسلامي، لهذا تقوم الهند - جارتها - حالياً ببناء جدار بطول حدودها معها.

وسط كل هذا فإن منح جائزة نوبل للسلام لعام 2007 لنائب الرئيس (السابق) آل غور والهيئة الحكومية لتغيير المناخ يعطي بعض الأمل فهو اعتراف واضح بأن ظاهرة الاحتباس الحراري لم يعد ينظر اليها باعتبارها من المخاطر البيئية، لكنها اصبحت تشكل تهديداً خطيراً للسلام على كوكب الأرض واستقراره.

ورغم ان تداعيات تغيير المناخ العالمي قد تبدو من نتاج هوليوود - كما تصور البعض عن المستقبل البعيد - الا ان ذوبان جليد المنطقة القطبية، واتساع رقعة صحاري افريقيا، وتآكل السواحل المنخفضة كلها أمور حقيقية جداً. ونحن بالفعل نعيش في «عصر التداعيات» وهو ما يمكن تعريفه بالتداخل بين تغيير المناخ واستقرار الأمم.

وفي العام الفائت قامت مجموعة متنوعة من الخبراء تحت اشراف وقيادة مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومركز الأمن الأميركي الجديد وبالاجتماع بصورة منتظمة لبدء محادثة جديدة تهدف الى بحث سبل وضع سياسة خارجية مستقبلية محتملة، ووضع احتمالات قومية امنية للتعامل مع تغيير المناخ المتوقع.

وقد تكونت المجموعة من زعماء معروفين قومياً في مجالات علوم المناخ، والسياسة الخارجية، والعلوم السياسية، وعلوم المحيطات والتاريخ، والأمن القومي.

من بينهم الفائزون بجائزة نوبل توماس سيلينج ، وكبير علماء مركز «بيو» العالم جاي جولدج، ورئيس الاكاديمية الوطنية للعلوم رالف سيسيرون، وعضو الجمعية الأميركية للأرصاد الجوية بوب كوريل، وكبير معهد علوم رسم المحيطات العالم تيرنس جويس، ونائب الرئيس السابق للولايات المتحدة ريتشارد بيتنجرا، وكبير علماء معهد المناخ العام مايك ماكراكن، والبروفسور بجامعة جورج تاون جون ماكنيل، والرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الأميركي (سي اي ايه) جيمس ووزلي... وهذه المجموعة الانتقائية تصارع من آن لآخر لتتحدث اللغة نفسها، اذ يجمعها احساس مشترك بأهمية التصدي لمخاطر الاحتباس الحراري لتتواصل المسيرة الإنسانية.


ثلاثة سيناروات للمستقبل

قدم عالم المناخ جاي جولدج 3 عوالم مستقبلية لاقت الاستحسان العلمي، ويرى جولدج أن ابراز تأثير التغييرات في المناخ تميل للتركيز على اكثر الاحتمالات حدوثاً بناء على النمط الحسابي المصاحب لما نعرفه عن المناخ العالمي، ومع ذلك فقد أظهر علم المناخ أن معدلات الشك مرتفعة جداً. وبالفعل فقد اصيب المجتمع العلمي بصدمة عندما رأى سرعة ظهور بعض التأثيرات الناتجة عن الاحتباس الحراري ما يوحي بأن عديداً من التقديرات التي كان يتم النظر اليها على انها مبالغ فيها تعتبر محافظة الى حد كبير، وعندما يتم رسم سيناروات مستقبلية للمناخ الآن من أجل توقع ما يحدث في المستقبل فإن هناك تصورا بات مستقراً في الاذهان بأن هناك تداعيات عديدة من المحتمل ان تحدث.

ورسم السيناروات للمناخ ليست ممارسة لكتابة ابداعية فقط لكنها تعتبر اداة تستخدم بنجاح في قطاعات الأعمال والدوائر الحكومية حول العالم ككل لتوقع احداث المستقبل، والتخطيط بحكمة أكثر للحاضر. ولا تقتصر السيناروات على تصور القرون المقبلة من الناحية العلمية، كما تفعل بعض الدوائر العلمية، ولكنها تبحث التطورات المحتملة باستخدام اطار زمني معقول، وترصد اطارا زمنيا للتطورات المحتملة وتداعياته الجيولوجية.

وعلى مستوى التخطيط للأمن القومي فعادة ما تستغرق الأمور نحو 30 عاما لتصميم نظام تسلح ومن ثم جلبه لأرض المعركة. لذا فمن المهم توقع بيئات التهديد المستقبلية، وايضا توقع التحديات التي قد نواجهها مستقبليا نتيجة لتغيير المناخ وكيف نستعد لها.

والسيناروات الثلاثة التي نوردها في هذه الدراسة مبنية على 3 حالات مناخية: متوقعة وشديدة وكارثية، السيناريو الشديد والذي يشير إلى أن المناخ الذي يتأثر بشدة بضغط الكربون المستمر، سيستمر في العلو طوال العقود القليلة المقبلة بمستوى أعلى مما توقعته الأوساط العلمية الحالية، وهذا السيناريو يرى أن هناك تأثيراً كبيرا وتزعزعا عالميا للاستقرار خلال الفترة التي سيعيشها الجيل القادم أو الذي يليه.

أما السيناريو الكارثي فيتميز بنشاط متطرف لأقصى درجة حسب النظام المناخي خلال 50 أو مئة عام. وبناء عليه فإن العالم في المستقبل سيشهد تغييرا متطرفا في النظام المناخي العالمي، من بين احتمالاته الذوبان السريع لطبقات الجليد القطبية المتكونة في الأرض يصاحبه ارتفاع هائل في مناسيب بحار العالم وتدمير لا يمكن إصلاحه في النظام الطبيعي الحالي.


هجرات جماعية

وقد سألنا خبراء في الأمن القومي وعلماء تاريخ حول تداعيات هذه السيناروات الثلاثة على كوكب الأرض كل حسب مجاله وكانت ردودهم كالتالي:

> سيناريو تغيير المناخ المتوقع في هذا التقرير مبني على زيادة متوسط درجة الحرارة على الأرض بمقدار 1.3 درجة مئوية بحلول عام 2040 ويتم اعتبارها القاعدة التي يبنى عليها التخطيط القومي. يقول العالمان بودستا وأوغدن: «إن التأثيرات البيئية في هذا السيناريو هي الحد الأدنى الذي يجب أن نعد له». وتشير احتمالات الأمن القومي بأنه سيكون هناك توترات داخلية وأخرى عبر الحدود، إما بسبب الهجرات الجماعية أو الصراع الناشئ بسبب نقص الموارد خصوصا بين الدول الضعيفة والفقيرة في افريقيا، ايضا ستكون هناك زيادة في انتشار الأمراض الأمر الذي سيكون له تداعيات اقتصادية، وكذلك بعض التغييرات الجيوبوليتية عندما تحاول الأمم ترتيب مسألة انتقال وتحويل الموارد والسيطرة على انتشار الأمراض. والطرق التي ستتعامل بها المجتمعات مع مسألة تغيير المناخ ستحددها عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية غير ظاهرة.

> أما في حالة السيناريو الشديد أو الحاد لتغير المناخ الموازي لارتفاع متوسط درجة الحرارة بمقدار 2.6 درجة مئوية بحلول عام 2040 فإن أدوات هائلة في بيئة العالم ستساهم في تزايد الأحداث المجتمعية الهائلة. وطبقاً لهذا السيناريو فإن الدول حول العالم ستنهزم بفعل درجة التغيير والتحديات المهلكة مثل الأمراض الوبائية، كما ان التماسك الداخلي للأمم سيكون تحت ضغط شديد بما فيها الولايات المتحدة، وهذا نتيجة الارتفاع الكبير في معدلات الهجرة والتغييرات في الأنماط الزراعية وتوفر المياه.

ان انغمار السواحل المأهولة حول العالم خصوصا في هولندا والولايات المتحدة وشرق آسيا والصين تمثل تحديات اقليمية وحتى تهديد للهويات القومية، وهناك احتمالات كبيرة باندلاع صراعات مسلحة بين الدول على الموارد مثل نهر النيل وروافده مع احتمال نشوب حرب نووية. أما على الصعيد الاجتماعي فيتراوح بين تزايد الحماسة الدينية والفوضى العارمة. ووفقا لهذا السيناريو فإن التغيير المناخي سيدفع نحو تغير دائم في علاقة البشرية بالطبيعة.

> أما السيناريو الكارثي- الذي يصاحب ارتفاع متوسط درجة الحرارة حول العالم بمقدار 5.6 درجة مئوية بحلول عام 2100- فيشهد تشابكا قويا ومفاجئا بين أكبر تهديدين في عصرنا الحالي التغيير المناخي العالمي والإرهاب الدولي الذي ينتهجه المتطرفون الإسلاميون.

ورغم الاختلاف الظاهر بين التهديدين إلا ان كلاهما مرتبط بالطاقة واستخدامها في العالم الصناعي وبالفعل فإن حلولهما تعتمد على تحويل اقتصاد طاقة العالم وبالخصوص اقتصاد طاقة الولايات المتحدة، وعلى دوائر الأمن وضع يدها على هذه الارتباطات والتنبه إلى أن التعامل مع طرف واحد من التهديدين بمعزل عن الآخر، ربما يساعد على نمو التهديد الآخر على الأرجح.

> والمقارنات التاريخية من الحضارات السابقة والتجارب القومية مع مثل هذه الظواهر الطبيعية مثل الفيضانات، والزلازل والأمراض، بما تساعد على فهم كيفية تعامل المجتمعات مع التغييرات المناخية غير المتوقعة.

قديما كانت الكوارث الطبيعية عموما اما متمركزة (محدودة) أو منقطعة أو كلتاهما ما يجعل من الصعب اجراء مقارنة مباشرة للتأثيرات العالمية لتغيير المناخ المطول مع دراسة الحالات التاريخية. فلم يحدث أن وقعت كارثة بهذا الحجم من قبل بدرجة تؤثر على الحضارات كلها بطرق متعددة وفي وقت واحد. والكوارث الطبيعية تميل أحياناً لأن تكون منقسمة وأحياناً موحدة فتثير الصراع الاجتماعي والعالمي وتشمل الاضطرابات الدينية، وتصب الأغلبية فيها غضبها ضد المهاجرين أو الأقليات، وتدفع الحكومات لتنفيذ ما يخدمها من قرارات، والأمراض الوبائية بصورة عامة خلال الكوارث ستحصد أعلى الخسائر في الأرواح وفي الاقتصاد. وكل هذه النتائج من الأمور المتوقعة نتيجة للتأثيرات الناجمة عن التغييرات المناخية المستقبلية.


مشاكل للجميع

من المتوقع أن تعاني المناطق الفقيرة والنامية مزيدا من نقص الموارد وقدرة أقل عند التعامل مع التغيير المناخي. وبالفعل بدأ التأثير يظهر على مستوى سقوط المطر والتصحر وشدة العواصف في مناطق كثيرة في افريقيا وأجزاء من وسط آسيا وبطول أميركا الوسطى وأميركا اللاتينية. بعض الدول والناس في هذه المناطق يفقدون مرونة التعامل مع هذه الاضطرابات المتواضعة. في المقابل نجد المجتمعات الغنية لديها موارد أكبر وقدرات على الإخلاء والنقل أو التخفيف على الأقل من أكثر التداعيات تواضعا للتغير المناخي. لكن سيكون من الخطأ افتراض أن تغيير المناخ لن يسبب مشكلة للدول الغنية بما في ذلك الولايات المتحدة.

فمثل هذه الدول قد تعاني ايضا اضطرابات دائمة في النواحي الزراعية والأمراض الوبائية، عواصف هائجة، وتآكل واسع في المناطق الساحلية، وانهيار مصايد الأسماك على المحيط، هذه الأمور قد تتسبب في فقدان عميق للثقة حتى في أكثر الدول تقدما وثراءً.

لكن أكثر المشاكل المتوقعة والتي تثير القلق والناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع منسوب مياه البحار، فتأتي من الهجرات الواسعة للبشر سواء من داخل البلدان وعبر الحدود القومية بين الدول.

ففي السيناروات الثلاثة هناك دوما ارتفاع منسوب مياه البحار في أميركا الوسطى وشرق آسيا وجنوب شرق آسيا، ومع ما يصاحب ذلك من اختفاء المناطق الساحلية المنخفضة، فإن هناك بالضرورة هجرات جماعية يحتمل أن تصل لمئات الملايين من البشر.

هذه التحركات الدرامية للبشر وما تتبعه من فوضى محتملة ستؤدي إلى نشوب قلق واسع من ناحية الأمن وإلى توترات اقليمية. وفي حين تشير بعض السيناروات إلى أن أعداد المهاجرين الذين سيجبرون على الانتقال خلال العقود المقبلة ستفوق بكثير الهجرات التاريخية السابقة.

أما في السيناروات الأكثر حدة فإن أعداد المهاجرين على المنظور المتوسط أو البعيد ربما تصل لمليارات البشر الذين سيضطرون إلى تغيير مناطق تمركزهم. ومثل هذه التحركات البارزة للبشرية ستحمل بين طياتها تحديات كبيرة حتى لو تمت عبر فترة عقود من الزمن.

البعض يربح موقتا

ان مصطلح «تغيير المناخ العالمي» هو لفظ مضلل حيث إن كثير من آثاره ستختلف بشكل كبير من منطقة لأخرى. فعلى سبيل المثال سيكون هناك تفاوت بين المناطق الجغرافية المختلفة من حيث التغييرات في تيارات المحيط وحالات الطقس وسقوط المطر ما يجعل من الصعب توقع أشكال مناخية عالمية حقيقية.

وعلى الأرجح سوف تمر أغلب الأحوال المناخية المحلية بارتفاع في درجات الحرارة بينما قد تشهد بعض المناطق انخفاضا في درجات الحرارة نتيجة التعقيدات في الاحوال المناخية المحلية، ومن غير المرجح ان يكون التفاوت في الاحوال المناخية المحلية تدريجيا، بل سيكون المناخ على الارجح غير ثابت ومفاجئا.

بعض المناطق المناخية - مثل المناطق القطبية والغابات الاستوائية- ستكون أكثر تأثرا حتى بهذه التغييرات الطفيفة في درجات الحرارة المحلية، وهذه المناطق تحديدا لها اهمية خاصة في تنظيم وتغيير الاحوال المصاحبة لتغيير المناخ. ان التغيير المناخي العالمي سينعكس على الكوكب بأسره ولكنه سيلعب دورا مختلفا جدا مع مستويات متفاوته من الشدة والتأثير في مناطق مختلفة من الكوكب.

فمثلا قد تستفيد دول قليلة من التغيير المناخي على المدى القريب، انما في النهاية لن يكون هناك «منتصرين» فكل بقعة على الارض معرضة للتأثيرات السلبية لتغير المناخ العالمي. ففي حين قد تطول الفصول في بعض المناطق وتنفتح المضايق القطبية المتجمدة للملاحة البحرية في مناطق أخرى، وربما تؤدي التغيرات المناخية إلى منافع محلية او قومية أخرى، ولكن المرجح ان النظام المناخي الجديد لن يكون ثابتا خاصة مع استمرار التقلبات لعقود او ربما لاطول من ذلك و«منتصري اليوم» قد يكونوا «خاسرين» لفترة طويلة في الغد. وتأثيرات التغيير المناخي سوف تؤدي لتفاقم كوارث العالم الحالية ومشاكله، على الرغم من ان الاحساس المشترك بالتهديدات قد يطور دافع الابتكار والاصلاح في بعض الحالات كما انه سيفرض تضافر الجهود والتعاون بين الحكومات، الا ان واضعي السيناريو يرون بان تغيير المناخ من المرجح ان يزيد من التوترات الحالية وبالذات حول الموارد الطبيعية، وهي توترات قد تندفع باتجاه حدوث صراع وهذا ليس بعيدا عما يحدث حاليا في بعض المناطق، فالتوترات الناتجة عن التغير المناخي امر يحدث بالفعل، مثلا نتيجة التصحر في دارفور، ونقص المياه في الشرق الاوسط، وحتى اضطراب الرياح الموسمية في جنوب آسيا، ومن المرجح ان تتزايد هذه المشاكل وآثارها خلال السنوات المقبلة.

لكن وسط كل تلك التوقعات المخيفة الا ان العلماء يقولون انهم يفتقدون بشدة للبيانات المجربة او الامثلة الموثوقة التي يمكن ان تساعدهم علي تحديد يقيني بمسار الارتفاع في درجة الحرارة او بزيادة منسوب مياه البحار التي تصاحب التغيير المناخي خلال العقود المقبلة. وقد وجدت مجموعة العلماء التي خرجت بالدراسة، ان معظم التوقعات العلمية على صعيد التغير المناخي خلال العقدين الماضيين- اقل دائما مما حدث بالفعل، وهناك اسباب عديدة وراء هذا التباين، منها: الحذر العلمي المتأصل، عدم توافر قاعدة بيانات كاملة، ميل العلماء لتجنب الدخول في جدل، الجهود المتواصلة من جانب البعض لدحض التحذيرات التي يطلقها علماء المناخ، وكانت النتيجة تقديرات اقل نسبيا وثابتة عن الزيادة في المناخ العالمي، وذوبان الجليد. ويرى العلماء انه لابد من تلافي مثل هذه السلبيات عند اجراء التوقعات الحالية للمتغيرات المناخية المستقبلية.


فوضى وانهيار

اي اتفاقية دولية في المستقبل ترمي للحد من انبعاث الكربون سيكون لها تداعيات جيوبوليتية واقتصادية مهمة.

فدور الصين على سبيل المثال في مثل هذه الترتيبات قد يؤثر بصورة كبيرة على فهم المجتمع الدولي لاستعدادها وتحملها للعب دور الشريك المسؤول، والمغذي الاستراتيجي الاضافي للوقود المنخفض الكربون وسط عالم يعتمد على هذا قد يرفع من وضع الدول الغنية بالغاز الطبيعي مثل روسيا. ومثل هذا التحول الجديد في استخدام الطاقة قد يدفع إلى تقليل دور واهمية دول الشرق الاوسط في السياسات الدولية، اضف إلى ذلك فان تحديات الانتشار النووي الرئيسية قد تأتي من الانتشار الواسع لاستخدام الطاقة النووية. ان ظهور مصادر طاقة بديلة، خصوصا الوقود العضوي، يمكن ان تدفع كذلك باتجاه تكوين مناطق جديدة ذات اهمية استراتيجية.

ان مستوى التداعيات المحتملة المصاحبة لتغير المناخ- خصوصا في السيناروات القاسية والبعيدة- يجعل من الصعب تحديد مدى وحجم التغييرات المحتملة المقبلة، ويجد علماء الدراسة بان مسألة التأمل في حجم ثورة التغيير المناخي العالمي امر يمثل تحديا غير عادي. فالسيناريو الثالث يقول بان درجة الحرارة ستزيد بأكثر من 3 درجات مئوية بينما يزيد منسوب مياه البحار بأكثر من متر.

ومع هذا يستحيل بالفعل التفكير في تداعيات كافة جوانب الحياة المحلية والدولية غير انه لا يوجد شك في انه اذا حدث سيعرض جوانب الحياة الحديثة كافة للفوضى والانهيار.

وعندما نأتي على تعريف «الأمن القومي» نجد ان هناك صعوبة في تفسيره وذلك عندما تتجه سلطات الدولة إلى تقسيم جوانبه في ضوء السيناريو الاسوأ لتغير المناخ، وفي مثل هذه الحالة من الواضح بانه سيكون هناك حركة هجرة كبيرة وانتقال واسع للناس (من بين الاثار الوخيمة الاخرى)، وهذه الهجرة ستخلق عدم استقرار في بعض المجتمعات، ولكن ليس من الواضح تماما ما اذا كانت هذه التداعيات ستدفع برد فعل تقليدي للأمن القومي.

وهناك بعض الآراء التي ترى بانه في ظل سيناروات معينة فهناك بعض الدول ذات التسليح الجيد ستعاني من عواقب التأثيرات البيئية التي يخلقها تغير المناخ، مثل هذه الدول ستطمع في الاستيلاء بالقوة على مقاطعة سهلة وخصبة ملك لدولة اخرى، ويجب عدم اغفال مثل هذا السيناريو، كما ان هناك مشاكل عديدة واسعة يرجح حدوثها مثل الامراض والهجرة غير المنظمة، وتلف المحاصيل وهذه المشاكل غالبا ما ستتغلب على الادوات التقليدية للامن القومي (العسكرية تحديدا) وكذلك على العناصر الاخرى لقوة وسلطة الدولة بصورة تجعلها لا تفكر في استخدامها في الغرض الذي ذكر اعلاه وهو احتلال اراضي دولة أخرى.


ضرورة الانسحاب من العراق

وخلال كتابة هذه الدراسة وجدنا بان هناك خلاصة لا يمكن اغفالها ففي العقد المقبل ستواجه الولايات المتحدة مجموعة من التحديات المشؤومة التي تتعلق بهذا الموضوع وسيكون على الجيل القادم من العاملين بالسياسة الخارجية والامن القومي التصدي لها.

من بين هذه التحديات مقاومة افول المكانة الدولية للولايات المتحدة، واعادة بناء القوات المسلحة للدولة، وايجاد طريقة مسؤولة للانسحاب من العراق مع الابقاء على النفوذ الاميركي في المنطقة الاوسع، الحفاظ على افغانستان والعمل من اجل استقرار اوسع للطاقة واعادة صياغة فكرة الصراع ضد المتطرفين الذين ينتهجون العنف، واستعادة ثقة الشعب في الطريقة التي تقوم بها الحكومة بوظائفها، والاستعداد للتكيف مع ظهور كوارث صحية سواء كانت طبيعية او من فعل الانسان، وطرد الخوف الذي يهدد زعزعة السياسية الخارجية الاميركية. اضافة لكل هذا فلا بد من التعامل بمسؤولية مع مسألة تغير المناخ.

وترى مجموعة الدراسة بان تغير المناخ ربما يكون من الامور المهمة او الاهم في تحديات السياسية الخارجية والامن القومي الاميركي غير انه لا بد من الالتفات إلى انه اذا احتلت مسألة تغيير المناخ قائمة التحديات فبلاشك ستتعقد كثير من تلك القضايا الاخرى.

وتشير هذه الدراسة بوضوح باننا بالفعل نعيش في عصر تداعيات تغير المناخ بشكل يؤثر على مسألة الأمن القومي بمفهومه الواسع والضيق، وقد ساهمت هذه التجربة لمجموعة الدراسة في «ابراز كم الاحتياجات التي يجب العمل على سدها بصورة مستمرة في مجال الاستكشاف الجديد».

وفي حين ان هناك حاجة ملحة لبذل مزيد من الجهد العلمي في مجال انبعاث الكربون لما له من تأثير علي تغير المناخ فاننا نفهم بان هناك تداعيات متوالية لتأثيرات تغير المناخ على مسألة الأمن والمشاكل التي تنجم عنها. وتهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على مدى التأثير الذي سيحدث تغير المناخ وانعكاساته على الاحتباس الحراري المستقبلي وعلى العالم المضطرب.