لماذا اغتيل الوزير والنائب الشاب بيار أمين الجميّل قبل سنة؟ الجواب ألا شيء يحصل بالصدفة في لبنان. جاء اغتيال بيار أمين الجميل من أجل الانتهاء من كل من له معنى أو حيثية في لبنان، من كل من يمكن أن يساهم في جعل الشاب اللبناني يتعلق بأرضه ويرفض الهجرة. الهدف واضح كل الوضوح ويتلخص في وجود نية للتخلص من الوطن الصغير وإلحاقه بالمحور الإيراني ـ السوري. لهذا السبب اغتيل رفيق الحريري ورفاقه على رأسهم النائب باسل فليحان. اغتيل رفيق الحريري لأنه أعاد الحياة إلى لبنان. اغتيل رفيق الحريري لأنه صاحب مشروع البناء والأعمار والتنمية وإعادة بناء الطبقة المتوسطة في لبنان. اغتيل رفيق الحريري لأنه أعاد الحياة إلى بيروت أي إلى قلب لبنان. حوّل بيروت إلى لؤلؤة المدن القائمة على حوض البحر المتوسط في حين أن المطلوب أن تكون بيروت مجرد مزبلة. الدليل على ذلك الهجمة التي يتعرض لها وسط بيروت الآن بطلب مباشر من أركان النظام السوري والرغبة الواضحة في القضاء على كل ما هو حضاري في لبنان وكل ما يمكنه أن يخلق فرص عمل أمام اللبنانيين. يمكن تعداد ألف سبب وسبب لاغتيال رفيق الحريري. ربما كانت الجريمة الكبرى التي ارتكبها «أبو بهاء» أنه أعاد لبنان العربي إلى الخريطة الإقليمية ودعم الجامعات بما حال دون إغلاقها وساهم في تعليم عشرات الآلاف من الشباب اللبناني من كل الأوساط والفئات والطوائف. أخيراً، اغتيل رفيق الحريري لأنه كان يجسد الحلم اللبناني في مستقبل أفضل وفي بلد عربي مزدهر ذي مجتمع منتج منفتح على ذاته وعلى العالم...
المطلوب اغتيال فكرة اسمها لبنان السيد الحر المستقل والاحتفاظ بلبنان ـ الساحة كما كان عليه في عهد الوصاية. لذلك تخلص المجرم الأكبر الذي يشرف على عمليات الاغتيال بمساعدة أدواته المحلية من كل من يرمز إلى المستقبل ومن كل من هو على تماس مع العالم المتحضر ومع الشباب الواعد والعلم والمعرفة...قتلوا بيار أمين الجميل، لأنه يرمز إلى الشاب المتعلق بوطنه والقادر على إعادة الثقة بالوطن وليس فقط لأنه نائب في الأكثرية ووزير في الحكومة الشرعية التي يرأسها فؤاد السنيورة. قتلوا بيار أمين الجميل لأنه أعاد الحياة إلى حزب الكتائب وانتزعه مجدداً من براثن عملاء الأجهزة السورية.
كان لا بدّ من اغتيال بيار أمين الجميل لأنه تحول إلى ركن من أركان الرابع عشر من آذار، بل الركن المسيحي الأبرز في ثورة الأرز وفي حكومة الاستقلال الثاني. اغتالوه كي تخلو الساحة أمام مسيحيين من نوع آخر على استعداد لأن يكونوا أدوات لدى الأدوات وللاستيلاء على مقعد نيابي عن طريق الاغتيال...كما حصل في المتن الشمالي. إنهم مسيحيون من نوع آخر، من نوع يقبل بقطف ثمار الاغتيال!
في الذكرى الأولى لاستشهاد بيار أمين الجميل، يفترض أن نتذكر أن لكل شهيد قصة. اغتيل كل شهيد من الشهداء لأنه جزء من لبنان الحضاري. اغتيل سمير قصير لأنه يعرف تماماً من هو عدو لبنان ولأنه حدد العدو بدقة وقال إنه عدو لكل ما يمكن أن يعيد الحياة إلى سورية ولكل من يعمل على استعادة فلسطين وزوال الاحتلال وحماية لبنان من شرور إسرائيل وغير إسرائيل. واغتيل جبران تويني لأنه كان الصوت الذي ارتفع عندما لم يتجرأ أحد على رفع صوته ولأنه حوَل «النهار» منبراً للأحرار...كان من قتل جبران يدرك أن لا مستقبل لـ«النهار» من «دونه. و«النهار» في آخر المطاف جزء من بيروت وجزء من دور لبنان.
نعم لكل شهيد قصة. لذلك اغتيل جورج حاوي بصفة كونه رمزاً للبنان العربي، في حين أن المطلوب أن يكون لبنان تابعاً، وأن يسعى كل لبناني إلى الحصول على شهادة في العروبة من المتاجرين بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني، أولئك الذين لا يرون في الشعب الفلسطيني سوى وقود في نزاعاتهم مع العرب الآخرين في معارك الابتزاز ولا شيء آخر غير الابتزاز. واغتيل وليد عيدو لأنه ابن بيروت، بيروت الصامدة في وجه الهجمة البربرية التي تتعرض لها، ولأنه يجسد بيروت الموحدة التي لا خطوط تماس من أي نوع كان فيها. واغتيل أنطوان غانم لأنه رمز المسيحي المعتدل الذي يلعب دور الجسر بين أبناء الجبل، بين المسيحي والدرزي، والمسيحي والشيعي، والمسيحي والسني. اغتيل أنطوان غانم لأن المطلوب قطع الجسور بين اللبنانيين وتدمير كل أنواع الجسور بين الطوائف والمناطق.
عزاؤنا في أن لبنان لا يزال يقاوم. عاجلاً أم آجلاً ستزول الأقنعة. سيتبين أن الوطن الصغير أقوى بكثير مما يعتقد، وذلك لسبب في غاية البساطة يتمثل في أن ثقافة الحياة أقوى من ثقافة الموت. ثقافة الحياة سر قوة لبنان. لا يمكن لثقافة الموت الانتصار على ثقافة الحياة. لا يمكن أن يرضخ لبنان ويستسلم بعدما صمد أربعين عاماً، منذ إجباره على توقيع «اتفاق القاهرة» في العام 1969، في وجه سياسة مبرمجة تستهدف تحويله «ساحة». لبنان ليس «ساحة». لبنان وطن. لبنان هو رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار أمين الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم. لبنان هو أيضاً كمال جنبلاط وحسن خالد ورياض طه وبشير الجميل ورينيه معوض وعشرات الشهداء الذين قاوموا، كل على طريقته، من أجل انتصار ثقافة الحياة.
في الذكرى الأولى لاستشهاد بيار أمين الجميل، لا يمكن إلا أن نستعيد ذلك الموقف النبيل للرئيس أمين الجميل الذي دعا إلى الصلاة وليس إلى الانتقام. إنه يعرف أن بيار كان الحياة، وأنه حيَ في كل لبناني يؤمن بأن لبنان وطن...
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن