الزمن في الشعر الشعبي الحديث (4-4 )?
| محمد مهاوش الظفيري |
1 يناير 1970
10:10 م
قلت في غير هذا الموضوع، إنني لا أحاكم التجارب الشعرية، وليس من مهامي في هذا الشأن الذي أنا في صدد الحديث عنه محاكمة النصوص، بقدر ما أسعى لرصد جوانب هذه الزوايا الفنية في نصوص الشعراء الذين وقع عليهم اختياري لهذا الغرض. ولو كان لدي غرض غير هذا الغرض لتوقفت عند نصوص عدة غير هذا النص، ولكن أمانة الكلمة التي ألزمت بها نفسي تحتم علي عدم التطرق لكل أمر لا يخص هذه المباحث.
لقد عجن الشاعر لغته الشعرية بهذا النص، ولعل مفردة «كيمياء» فسرت لدينا شيئاً من هذا الاعتقاد، لهذا يحاول الشاعر أن يعكس لنا تعامله الضبابي مع الزمن الذي تقاذفته أقداره بين دول عدة لينتهي به المطاف هذه الأيام إلى مرافق لشخص مرموق ومن ذوي الشأن والرتب العالية في المجتمع. فهذا الوضع جعله يبعث إلى القراء ومضات فنية وفكرية لما يريد قوله عن الزمن «عقرب الساعة» وذلك أن الزمن، هذا الذي عاذ منه وكانت لديه وقفات عدة تعاقبت على فترات حياته، إذ صوره لنا بالنحاس الذي ليس فيه روح وخالٍ من المشاعر، بينما لم يكن محمد المرزوقي ببعيد عن هذا التوجه، وهو التعامل مع اللغة المحفورة حيث كان محمد المرزوقي يحفر في صحراء صالحة للزراعة في الوقت الذي كان فيه فهد عافت من خلال المقطع السابق يحفر في أرض أشبه ما تكون بأرض غير صالحة للحياة وذلك من أجل التدليل على قوته ومهارته، أما المرزوقي فلم تصل به الحال إلى هذه الدرجة:
كيف أتسلق سور هذا الوقت ؟
وأنفض الأشياء من حولي.
يتمنى الشاعر النفاذ خلف حاجز الزمن وبعثرة الأشياء من حوله معتبراً أن الزمن سور ممتد وشاهق ويتمنى تجاوزه من خلال عملية التسلق. إن هذا التساؤل فيه من الاستفزاز والتحريض ما دفع الشاعر إلى التأمل فيه فيما بعد في نص آخر، حينما ظل يمنحنا تصوراته المتعددة لليل، وذلك أن الليل هو الفضاء الذي يمنح الشعراء عامة، والمرزوقي كحالة خاصة تعنينا في هذا التناول، إذ يمنح الشعراء مساحة للتفكير والكتابة والتأمل
المسا مأوى أناس يحسبون النار في أفواههم...
المسا هذا نبيذ الأرض...
المسا سجن الحكيم المضطهد...
المسا هذا ملاذ اللي هرب من عيشةٍ ما تحتمل بين الجثث...
المسا إسطبل لحصان أبيض مل اضطهاد الحوذي الأسود
إن محاولة الشاعر تسلق الزمن، ليس من أجل الهروب منه، بل اختراقه أو امتطائه، لأنه كفيل بلملمة أفكار الشاعر، فهو منبع الإلهام والتأمل وسجن الحكماء والمكان الذي يعيش فيه كل رافض للظلم والجبروت وقهر الإنسان.
هذا الوضع إيحاء من قبل الشاعر بأن النهار مكان للركود وعدم الإبداع، في الوقت الذي يظل فيه الليل مكاناً لكل شيء جميل وممتع. إن هذا الوضع يعبر عن أن هناك حالة من التوافق بين الشاعر والزمن من خلال الليل، باعتباره مكمن أسرار الشاعر، وهو هنا - أي الشاعر - يختلف في هذا المنحى عن بقية الشعراء في هذا الجانب.
في حقيقة الأمر أن الزمن له ارتباط بالمكان، وذلك أن الحنين للماضي يمثل الزمن، بينما الأرض التي حدثت عليها تلك الذكريات تمثل المكان، وهذا ما تكلمت عنه في موضوع مستقل عن علاقة الشاعر الحميدي الثقفي مع الزمن، حيث إن الزمن بالنسبة للحميدي يمثل له إشكالية وهذه الإشكالية نابعة من شعره الذي ينطلق من رغبة الشاعر في الانتقال والتحول، كما في تلك الدراسة عن شعر الشاعر، ومن هذا الجانب يأتي الزمن لدى الحميدي الثقفي كحالة تحفيز دافعها الرغبة في هذا الانتقال وعدم الاستقرار.
هي ( الخامسة والثلاثين )
عند أول أعتابها
تفتح أسطورة الصخر أبوابها !!
بعيداً عن تمحور الشاعر عند فترة زمنية محددة «الخامسة والثلاثين» غير أن ما يليها دليل على هذا التوجه في التحول وعدم الخضوع لسطوة الزمن رغم قساوته الواضحة على الإنسان، فهذه الرغبة تنم عن إصرار الشاعر على رغبته في فعل يمكنه من تجاوز نمطية الظروف المتمثلة بالزمن.
هي ( الخامسة والثلاثين )
بوابة الأربعين
اغسليني بما راب من زرقة الرمل
وكتابك المحو
والمحو ما تكتبين !!
واطلقيني..
مع الليل للشمس
فالزمن كما يبدو من هذا المقطع، وقد تمت الإشارة لهذه النقطة في الموضوع المستقل الخاص بعلاقة الشاعر الشعبي بالزمن، وتم اتخاذ الحميدي الثقفي كأنموذج لهذه الحالة، لقد تمت الإشارة في ذلك الموضوع إلى أن الزمن لدى الحميدي كتلة واحدة، فهو لم يأخذ الصبح كنقطة للانطلاق بل اختار الليل، مازجاً بين الليل والشمس لخلق حالة من التوافق، وذلك أن خلاف الشاعر مع الزمن أو أن عقدة الزمن تأتي كونه مرتبطاً بالماضي، وهذا هو سبب أو من أسباب الإشكالية التي يواجهها الشاعر مع الزمن، فهو - أي الشاعر – رافض للتقليد ومندفع للتجديد، وهذا الاندفاع خلق لديه عدم الرضا عن الماضي، عكس الذين يصورون الماضي حالة نمطية يرتمون في أحضانها كما هو الحال مع عواض العصيمي في أثناء حديثه عن اللون كما مر معنا في غير هذا المكان، أما الحميدي الثقفي فيحاول محاكمة الماضي من خلال عدم رضاه عن الحاضر
والله يا ريما
ما أسامح أسلافي
أخذوا الأيادي.. ما
خلوا سوى أكتافي
أمشي كما الأعمى
قدامي خلافي
والنور والظلما
حملٍ على أكتافي
إنه هنا يحاكم الأسلاف، ومن ورائهم الماضي والتاريخ بكل أوهامه وهمومه ومآسيه وذلك من أجل أن يتخلص من عقدة الزمن النمطية رافضاً ذلك التقديس والتبجيل الذي يتم المناداة به من كون أن الماضي عظيم والتاريخ محترم، حيث إن الشاعر حاول قلب هذا المفهوم النمطي، من أجل الخلاص من سلطانه على النفوس، فكل الذين يتمسكون بالماضي غير مدركين لقيمة الحاضر، وليس لديهم القدرة على رؤية المستقبل، فكان هذا المقطع أداة تحريضية لقلب هذه المفاهيم التي اكتسبت صفة التقديس في النفوس.