رؤى

أنا ابن هذه العربية

1 يناير 1970 05:24 م
أزعمُ أن هذه مَقالةُ عاشقٍ، وهل بمقدور العاشقِ أن يَـرْسُمَ بالقلم حالَه، وقد رَمَـتْـه كاعبٌ في طَراءة الصِّبا بلَحْظِ عينيها، فاجأتْه بسهمها، فأورثَـتْه البَهْتَ ؟!

وأزعمُ أيضا أن العشقَ ما كان- حين كان- إلا لهذه اللغة الشريفة، ولا أراها- حين أراها- إلا أنها الوجهُ الآخر للحياة، والشجرةُ المعطاءةُ لا تُعْرَفُ إلا من ثمارها.

وإنك أَنْ تُرْزَقَ هذه الكاعبَ الحسناء، ثم تتخلَّى، أو تتنكَّر- فأنتَ- لا محالة- محروم؛ وإذا أراد اللهُ أنْ يُزيلَ عن عبدٍ نعمةً، فإنّ أوّل ما يُغيِّرُ منه عقلُه، ثم يجعلُ روحَه صَدِئَـة، لا تَدْهَشُ للجمال، ولا تَـهَشُّ للبهاء، وما زال الصالحون يَـتعوَّذون بالله ممن يَـمُـرُّ بمواطن الروعة فلا يُشْدَه، ومَساقطِ الْـحُسْن فلا يلتفت!

أقولُ: أنا ابنُ هذه العربية، أنا ابنُها رُوحا وأرومةً؛ إذا فتشتَ في نفسي فكلُّ عضوٍ مني فيه نَـبْـعةٌ من رِيِّها، ونَـفْحةٌ من وَهَجها، وكلُّ شيخٍ من شيوخها لي أبٌ، وكلُّ مُصنَّفٍ من مصنَّفاتها لي سَـميرٌ وأنيس.

قدَّر اللهُ أن تقع عندي موقعا مكينا؛ أفْرَدَها في قلبي، فصرتُ أُحدِّث عنها مهاجر الطيور، وغارب النجوم، وصار من وِرْدي اليومي أن أُنْفق من حُرِّ وقتي شَطْرا أقتطفُ من بُسْتانها الأعلاقَ النفيسة، أنتخب أطايبها، ثم أجعلُ ذلك في كُنَّاشةٍ، وأعاود النظر إليه مرارا: حِفْظا ومراجعة وتَفَكُّها، حتى أوقنَ أني أودعتُه قلبي، وأسكنتُه روحي.

والمرءُ- حين يقتطع من العربية قِطَعا عزيزة- إنما يقتطعُ من نفسه قِطَعا زاكية، فإذا استوت النفسُ على سُوقها صارتْ قِطعا من هذه اللغة، وعاد إليها صِباها!

والبستانيّ الماهر مَنْ يقع على الورود المعجِبة فيرعاها، كذلك السالكُ عالَـمَ الْـحُسْن والجمال؛ يمرُّ بالْـحَسَن فيَعُبُّ منه، وبالجمال فيرتوي حدَّ الثُّمالة.

وبالأُلْفة والْمُـؤانسة ينسابُ في حَـنايا الروح الجلالُ والجمالُ؛ وكلُّ من ألِفَ شيئا اكتسب من طَـبْـعه، وسَرَى إليه من خُلُقه، حتى يصبح لَـحمَه ودمَه، رُوحَه ونَـفَسه؛ ينام ويغفو عليه، وصدقوا إذ قالوا: إن العوائد تَـنْـقُل الطَّبائع، وليس الخليُّ كالْـمَليِّ!

إنني في العشق حالةٌ فريدة- وما على المحبين من سبيل- فمذ أبحرتْ سفينتي في مياه ابنة الضاد، وتعلقتْ عيناي بخافِقَيْها، واتصلتْ مُهْجتي بـمَدارج سِـماكها، وخَلَصتْ لي مَـحبَّــتُها من دون الناس أجمعين- ناداني القومُ: يأيها العاشق الْمُـتـيَّم!

وما كنتُ ممن يدخلُ العشقُ قلبَه

ولكنَّ من يُـبْـصِرْ جفونَكِ يعشقِ

وقد كنتُ أعجبُ حين أقرأ عن عُكوف سَلَفنا على العلم والأدب، وشِدَّةِ لُصوقهم بهما، فلما رأيتُ عكوفَ نفسي على هذا الحرف الباذخ، أدركتُ أن من أحبَّ شيئا تعلَّق به، ولا تثريبَ على الْـمُدْنَـفين!

ثم ما زال يتدرَّج بي حبُّ العربية، والتعلُّـقُ بها، والانكفافُ عليها، حتى رسخ مني رسوخَ الطبع، فمتى زُحْزحتُ عنه إلى غيره، قَلِـقْـتُ واضطربتُ، وساورني إطْراقٌ وكآبةٌ، وفكرةٌ طويلة.

أما حين يسرى جلالُ العربية وجمالها في نفس امرئ، تدبُّ فيه روحُ الحياة، وإذا دبَّتْ فيه روحُ الحياة، بعثَ الناسَ من أجداثهم، وأوقظَ الإحساسَ فيهم، وحرَّكَ الماءَ الراكدَ في هذا العالَـم!

لكنَّ الطريق إلى ذلك ليس هَيْنًا لَيْنًا، فلا واديه مُوطَّأ الْـمِهاد، ولا روضتُه سهلة الأكناف؛ لابد من تحمُّل اللأواءِ دونه، فإن النعيم لا يُدْرَك بالنعيم، وإنما تَـحْصُلُ اللذَّةُ بالألم، ومن يصبرْ يَـنَـلْ، وما رجعَ مَنْ رجع إلا من الطريق، أما من أكمل فما رجع!

[email protected]