كتاب أثار جدلاً... «عقله» إقطاعي وحكاياه شخصية
صونيا فرنجية تروي في «وطني دائماً على حقّ» فصولاً من العلاقة التاريخية لعائلتها مع السعودية
1 يناير 1970
04:14 ص
• تزوّجت عبدالله الراسي فيما كان طبيب العائلة المالكة السعودية
• قال لي «العائلة المالكة السعودية توازي العائلات المالكة في أوروبا أهمية إن لم تتفوّق عليها»
• الملك عبدالعزيز كان أوّل مَن أصرّ أمام القوى العظمى على أن يكون الرئيس اللبناني مارونياً
• «سليمي» كان اسم الدلع للنائب سليمان فرنجية الذي نجا وحيداً من مجزرة ذهبت بعائلته
حين أصدرت السيدة صونيا فرنجية الراسي كتابها «وطني دائماً على حق» ووقّعته في قصر والدها الرئيس الراحل سليمان فرنجية، أطلّ رئيس تيار «المردة» النائب سليمان فرنجية في لقاء تلفزيوني وتبرأ من كتاب عمّته لأنه يعبّر عن وجهة نظر شخصية.
لم يكن فرنجية الحفيد وحده الذي أثاره الكتاب الذي حمل آراء شخصية وتوصيفات ومواقف حادة تجاه بعض القيادات اللبنانية، وحتى تجاه بعض زعامات زغرتا (شمال لبنان). واذا كانت بعض الانتقادات حملت على تَمسُّك الكاتبة، ابنة الرئيس سليمان فرنجية بالإقطاعية وبفوقية العائلة وتَمايُزها عن غيرها، فإن ثمة مآخذ أخرى
في الكتاب الذي جاء وكأنه عبارة عن تصفية حسابات وعن وجهة نظر شخصية، خصوصاً أن صونيا فرنجية عُرفت بمواقفها الحادة، فهي التي هاجمت أكثر من مرة رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون وصهره الوزير جبران باسيل إلى الحد الذي قالت عنه يوماً «إن إقطاع آل فرنجية لا يرضى أن يأتمر بأزلامه» و«كسرى باسيل، عمّ جبران، كل عمرو زلمتنا»، وهو تصريح دفع فرنجية إلى التبرؤ مجدداً من كلام عمّته وتأكيده أنها تتحدث باسمها الشخصي.
لكن الكتاب الذي حمل عنوان أشهر عبارة للرئيس فرنجية، يؤرخ لتاريخ مرحلة وتاريخ عائلة فرنجية قبل أن يصبح سليمان الجدّ رئيساً (العام 1970) وخلال مرحلة الحرب اللبنانية وصولاً إلى مؤتمر لوزان، وتاريخ بلدة زغرتا التي تتحدر منها العائلة، بحسب وجهة نظر السيدة صونيا التي جعلت عائلتها، كما في أي مذكرات، هي المحور الذي تدور حوله الأحداث.
واليوم مع بروز اسم حفيد الرئيس الراحل وابن شقيق السيدة صونيا، النائب سليمان طوني فرنجية كمرشّح متقدّم للرئاسة في لبنان، من المفيد الدخول مجدداً إلى سياق الأحداث الأساسية من زاوية العائلة التي قدّمت قبل 45 عاماً رئيساً للجمهورية وقد تقدّم اليوم الرئيس الثاني.
في تأريخها للعائلة، تحدّثت صونيا فرنجية عن كرم والدها وتعاطيه مع الفلّاحين وعن الخدمات
التي يقدّمها لأبناء المنطقة، وتَقاسُمه النفوذ مع شقيقه حميد فرنجية الذي أصبح وزيراً للخارجية وكان مرشحاً لرئاسة الجمهورية. لكن خلال استعراضها لتاريخ والدها لا تنسى التصويب على الرئيس كميل شمعون الذي «خطف» الرئاسة (العام 1952) من حميد فرنجية بفعل الضغط البريطاني، قائلةً عنه إنه كان «يلعب بالنار» لأنه كان يميل إلى ما سمي حينها «حلف بغداد»، فيما وقف حميد إلى جانب الرئيس جمال عبد الناصر. حتى أنها تتهمه بأنه تقرّب من «أحد الكهنة من عائلة الدويهي وشجعه على الترشح لانتخابات ضدّ حميد»، وتستطرد إن عائلة الدويهي من العائلات شديدة الفقر في زغرتا.
ولمَن يعرف الخصومات العائلية في زغرتا التي كانت سائدة في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، يدرك مغزى هذا الكلام، وتلميح صونيا فرنجية إلى أفضلية عائلة فرنجية على عائلة الدويهي التي انتُخب منها نائباً الأب سمعان الدويهي الذي تقصده، علماً أن مجزرة مزيارة (العام 1957) التي اتُهم بها الرئيس فرنجية، استهدفت عائلة الدويهي في معظمها.
وتروي فرنجية مجزرة مزيارة بأسلوبها وعلى طريقتها، متهمة عائلة الدويهي والأب الدويهي بتنفيذها وبأنها كانت تستهدف والدها، رغم أن المجزرة أودت بحياة عدد من أفراد عائلة الدويهي، وأدت الى هرب سليمان فرنجية إلى سورية.
واذ تستعيد كيف هربتْ بعد المجزرة «لكنني لم أغادر المنزل من دون أن آخذ المسكارا الأشدّ سواداً وأحمر شفاهي بلون الفوشيا»، تروي أخبار الموضة التي تتبعها والماركات العالمية، و«حقيبة اليد الرمادية اللون
من ماركة غوتشي» التي وقفت حالمة أمامها في رحلة الهرب. وفي طريقها لا تنسى أن تقول إن عائلتها كانت تدفع عن عائلة معوض، أي عائلة الرئيس رينيه معوض «التي لم تكن ميسورة حتى أن حميد أعطى رينيه سيارته ولوحتها الخاصة».
كما تروي في فصل لاحق كيف كانت تعطي (الرئيس) أمين الجميل المال للذهاب إلى السينما وشراء الكوكاكولا حين كان يقضي إجازته الصيفية مع شقيقها طوني في طرابلس.
وفي حديثها السياسي عن الأحداث المتتالية التي رافقتها بوصْفها المرافقة لوالدها، ومن خلال زواجها بالدكتور عبدالله الراسي الذي أصبح لاحقاً نائباً عن عكار، تتنوّع مشاهدات فرنجية، سواء في وصفها للعلاقات الداخلية أو الدولية والإقليمية.
تزوّجت فرنجية الراسي فيما كان يعمل طبيباً للعائلة المالكة السعودية، وهي تسهب في وصف العلاقة التي بنتها مع العائلة المالكة، ونصائح والدها لها «باحترام عاداتهم وقيمهم وتقاليدهم. الملك فيصل صديق كبير لشقيقي حميد والعائلة المالكة السعودية توازي العائلات المالكة في أوروبا أهمية، هذا إن لم تتفوّق عليها». وتشير إلى أنها حين التقت الملك فيصل سألها عن عمّها حميد الذي كان مريضاً «فاضطررتُ آسفة للاعتراف أمامه أن مرض حميد أعاقه كثيراً فحزن جداً لكنه أقرّ بأن أبي يحمل المشعل عن أخيه بطريقة ممتازة».
وتقول: «كان الملك فيصل صديقاً كبيراً للبنان، ومنذ عهد والده الملك عبد العزيز دعمت المملكة العربية السعودية دائماً التنوع الطائفي
في بلد الأرز. فقد كان الملك عبد العزيز أول مَنْ أصرّ أمام القوى العظمى على أن يكون رئيس الجمهورية اللبنانية مارونياً. وقال إن لبنان هو نافذتنا المفتوحة على الغرب بفضل مسيحييه، دعونا لا نغلق هذه النافذة لأننا بذلك سنختنق».
وتتحدّث صونيا فرنجية عن العلاقات السياسية في لبنان بوصفها علاقات «عائلية» بين الزعامات التقليدية «فصائب سلام كان صديق العمر وكانت أمي تقضي الإجازات مع عائلتها عند آل سلام». أما «العضو الآخر في النادي» كما تسميه، اي «كامل ابن أحمد بك الأسعد»، فتروي كيف تعرفت إلى والدته، ومن ثم النائب جوزف سكاف. ويعطي دخولها بإسهاب في تفاصيل العلاقات العائلية بين الزعامات اللبنانية ومع الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، وعائلة كرامي، لمحة عن المتداوَل حالياً عن كيفية اختيار النائب فرنجية مرشحاً للرئاسة، كواحد من أعضاء النادي السياسي التقليدي.
عهد فرنجية
بين الاحتفالات والزغاريد وصلوات الشكر بانتخاب سليمان فرنجية رئيساً العام 1970، يحفل عهد والدها بحسب الرواية بالإنجازات، وبالخدمات. واللافت في الرواية هي صيغة «نحن» التي تتحدث بها، كونها رافقت وشقيقها طوني جميع المراحل السياسية مع والدها، وصولاً إلى لوزان، بعد مقتل طوني مع زوجته وابنتهما في مجرزة اهدن العام 1978 التي نجا منها سليمان الحفيد.
وقد تزامن عهد فرنجية مع سلسلة أحداث إقليمية وبزوغ العمل الفدائي والدخول الفلسطيني المسلح إلى لبنان وبداية الحرب الطويلة العام 1975، لكن صونيا فرنجية تروي سيرة الأحداث السياسية من زاوية خاصة، عن مرحلة كان فيها والدها وزوجها وشقيقها في قلب الحدث السياسي.
مجزرة إهدن
تسمي صونيا ابن شقيقها الراحل في الكتاب بـ «سليمي» أي تصغير سليمان. لا يأخذ سليمان الحفيد قسطه الكبير من أخبار عمّته صونيا، المكرّسة لدور والدها ودورها.
في حديثها عن والده طوني تقول في رواية لها عن قُدّاس أقيم في عيد ميلاد طوني السادس والثلاثين: «توافد الجيران والأقارب يتمنون عيداً سعيداً لطوني ولاحظوا كم أن (سليمي) ابن الأعوام الأحد عشر قد نما كثيراً»، وتضيف: «كان والداي فخورين جداً بطوني وبعائلته الصغيرة، فأكثر من مرّة غيّر حضوره سير الأحداث خلال الحرب وقد أنقذ زغرتا غير مرة. كما تعاظم إعجاب رفعت الأسد بطوني، فقد كان سعيداً بالعثور على سند ماروني لن يطعنه في الظهر ولم يتحالف مع إسرائيل، ويتحدّر من عائلة أثبتت إخلاصها للعروبة».
من الطبيعي أن يأخذ الكلام عن سليمان الحفيد حيزاً عند الكلام عن مجزرة إهدن، التي أودت بحياة والديْه طوني وفيرا وشقيقته جيهان. وتروي صونيا فرنجية كيف أخبرته عمّته لميا بمقتل عائلته هو الذي كان يتعلّم في مدرسة داخلية.
وتروي تفاصيل المجزرة وكيف هاجمت فرقة كتائبية قصر إهدن حيث كان النائب والوزير طوني فرنجية وعائلته. تُحمِّل الرئيس بشير الجميل والدكتور سمير جعجع المسؤولية المباشرة، وتورد تفاصيل المجزرة وكيف قال والدها بعد الجنازة: «دعوني أموت وألحق بهم»، وأجابته «(...) لتجعل منه سليمان فرنجية حقيقياً لا أحد سواك وأمي يستطيعا أن يحل محل طوني وفيرا. نظر إلي برهة وفي عينيه كل ألم العالم وقال: لا يحق لي بعد
أن أرحل لأسباب ثلاثة: من أجل (سليمي) ومن أجل زغرتا ومن أجل لبنان».
في الكتاب تأكيد للصداقة مع الرئيس حافظ الأسد والعلاقة مع عائلته ودوره، رغم أن السيدة صونيا تورد أيضاً حادثة هجوم مجموعة سورية على زغرتا «أبادها» الزغرتاويون بكاملها.
لكنها تتحدث بإسهاب عن أخطاء عائلة الجميل، من الأب بيار الجميّل إلى ابنيه أمين وبشير، عن الخوات والضرائب وأعمال القتل، كما تتحدث عن أعمال «المرابطون» والقوميين السوريين والفلسطينيين.
لكنها في كل روايتها تضع الرئيس فرنجية وعائلته في قلب الحدَث وفي قلب الدفاع عن لبنان في وجه أعدائه.