| د. محمد مصطفى الكنز |
وهذا السؤالُ الأبديُّ الذي شَغَلَ الملائكةَ في الزمان الأَوَّلِ: أتجعلُ فيها من يُفْسِد فيها، ويَسْفِكُ الدماء؟! - هو هو ذاك السؤال الأليم الذي يشغل النبلاء من البشر في كل زمان: أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء؟!
وأقبحُ ما جَـنَـاه إنسانُ هذا العصر- حين أسرفَ في القتل، وفاقَ في الإفساد أجْدادَه الأُوَل، ولم يَكْفِهِ أن يَسيرَ على رَسْمهم في الطغيان، ولم يُشْبِعْه ما وضعوه من جبروت - أنه راح يتسلَّطُ على الموتِ نفسِه، حتى أفقده هَيْبتَه، وسَلَبه الخشوعَ الذي يُـميِّـزه.
وإني لأَعْجَبُ: كيف صار ابنُ هذه المدنيَّة المزعومة إلى هذه المرتبة التي نَزَع فيها عن الموت مَذاقَه، وسَرَق منا لحظاتِ التأمُّل التي كانت تأخذُنا، حين نُعاينُ مصارعَ الآخرين؟!
تُرَى هل قَتَل إنسانُ هذا العصرِ طعمَ الموت، ودَفنه إلى الأبد، كما قَتل فينا الإحساسَ برهبته؟!
لقد كان أوَّل خاطرٍ ينتهبُ النفسَ قديما إذا مرَّتْ بنا جنازةٌ، هو الصمت في حَضْرتها، فَرَقًا من هذا الوحش الْـخُرافي، الذي يسعى بيننا خِيفةً، ويَغتالُ فرائسَه جَهْرة، ويَؤُول بنا هذا الصمتُ إلى الفرار من إسار المادة، إلى رحاب التفكُّر في أحوال النفس ورياضتها.
وما لبث ابنُ هذه المدنية المزعومة- عبر وسائل إعلامة- يفعل فَعْلَــتَه التي فَعَلَ، حتى أصارنا إلى الأُلْفَة بـمُعاينة صُوَر القتلى، والشغف برؤية الأشلاء الممزقة، وأصبح من عادات النفس أن تَرَى الجثث ملقاة على قوارع الطرق، فلا دهشة ولا تأثر ولا غرابة!
كيف صِـرْنا لا نَـجِدُ ذلك الخاطر القديم الذي كان ينتهبُ النفسَ انتهابا؟! كيف صِـرْنا نَـمُـرُّ بالمتألمين غير عابئين بآهاتـهم، أو مُكْـتـرثين بـجراحاتهم ؟!
وهل هذه الجثث التي تغص بها مواطن الصراع في هذا العالم هي لأناس مثلنا كانوا يروحون ويجيئون، وتلبَّستْهم روحُ الله التي نفخها فيهم، أو أنها تماثيلُ من الحجارة، أو منحوتاتٌ من الشمع، أو تشكيلاتٌ من الصخور؛ كأن رُوحا لم تُـنْـفَـخْ فيها، أو حياةً لم تتسلَّلْ إليها!
وهذا الإنسانُ الذي هو صُنْعُ الله، وخَلْقُه الذي أبدعه على أحسن صورة، وأتـمِّ هَيْـئة، وبناه بيديه وقوَّمه؛ كيف تمتدُّ إليه يدُ أخيه لتقتله، وتهدم بناءَ الله في الأرض؟!
لقد أصبح الواحدُ منا يتوجَّس حَتْفَه- كما توجَّس الذين من قبله- مُنْتظِرا مَرْقدَه بين هاتيك الْـجُثث، مُتوقِّعا اللحظةَ الْـمُرْتقَبة، مُتسائِلا:
«في أي ليلةٍ تُرَى يَقْبَعُ ذلك الخطأ... في هذه الليلةِ أو في غيرِها من الليالْ»؟!
ليت لي الآن لغةً- ليستْ لأحد من الكائنات- أصِـفُ بها إنسانَ هذا العصر، أو عبارةً- من الله لي دون سائر الناس- تنهض للحديث عما يعتصر النفسَ من ألم وأسى ؟!
تُرى هل يعود نُبْلُنا القديم، فتستردَّ نفوسنا هيبةَ الموت ورهبتَه، ويستيقظ في ضمائرنا مَذاقُه المسلوب؟!
[email protected]