منذ أن تعاطفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع قضية اللاجئين وفتحت أبواب أوروبا لهم وهي تتعرض لأبشع أنواع الهجوم اللفظي، فالانتقادات قد جاءت من بلدها ومن بروكسيل عاصمة بلجيكا بالذات رغم أن نظرتها كانت نظرة إنسانية بحتة بعيدة عن أي مزايدات سياسية أو اجتماعية إلا أن تفاعل الأحزاب وهشاشة الأوضاع لم تخدمها بشكل صحيح، فالأعداد الهائلة من اللاجئين الذين يتوافدون بالمئات إلى البلاد قد أصابت بلادها بالقلق ولم تتوقع أن يأتي يوم ستحاسب فيه بتهمة إعاقة التوازن الاجتماعي في البلاد، كما أن من سوء حظها أن الأوروبيين لم يتوصلوا إلى اتفاق حول طريقة تقاسم عبء اللاجئين لغاية اليوم.
وفي الوقت الذي لم تبرم فيه الحكومة التركية أي اتفاق مع أوروبا حول هذه المسألة، كان طريق البلقان هو المخرج الوحيد الذي استخدمه آلاف السوريين وغيرهم من العراقيين والأفغان واللبنانيين الذين تبعوهم بحجة زعزعة النظام الحاكم والحروب وفقدان الأمن والاستقرار وهذا بالطبع انعكس تماماً على بقية دول أوروبا...
إذاً البحث عن اللجوء الآمن وتحسين مستوى المعيشة كان حلم أي لاجئ في أوروبا وتحديداً في ألمانيا وبلدان أخرى من شمال أوروبا، إنه الحلم الذي أثر على استعدادات معظم هذه الدول وسبب لها المشكلات، وبالتالي استمرار تدفق اللاجئين قد خلق نوعاً من التوتر في ألمانيا الأمر الذي انعكس على سمعة حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي الذي ترأسه ميركل وجعل فكرة الدعم تتلاشى مع تقادم الأيام، فالحكومة الألمانية اليوم تعيش في حالة طوارئ لا مدى لها بعد أن فقدت السيطرة على أزمة اللاجئين رغم قوة شخصية أنجيلا ميركل التي تعتبر من أقوى الشخصيات في ألمانيا وأقوى امرأة قيادية على مستوى أوروبا إلا أنه لا يمكننا التصور بأن يأتي يوم نضع فيه نهايتها السياسية بكل بساطة كونها تتمتع برصيد شعبي ونفوذ سياسي منقطع النظير حتى على مستوى الاتحاد الاوروبي.
تبقى قضية الترحيب باللاجئين والخوف من نشوء مجتمع مسلم يوازي المجتمع الألماني هما الهاجسان اللذان يلامسان مصير مستقبل ألمانيا وشبعها ومازال الحزب اليميني المنافس لحزبها ينتقد سياستها في كل مرة حول أزمة اللاجئين وطريقة اللجوء العشوائي ومسألة توافر المهاجرين من دون حد من أجل كسب التعاطف الشعبي وكسب المزيد من الأصوات الانتخابية في المرحلة المقبلة، واليوم يحصد الحزب البديل ما يقارب 8 في المئة من الأصوات المطلوبة، كما أن تكرار المشاهد الفوضوية للنازحين وهم على الحدود الألمانية قد تكون شبه إنذار مبكر لحزب ميركل للعمل على إعادة النظر في سياسة التعامل مع اللاجئين.
لقد أصبحت سياسة انجيلا ميركل حول أزمة اللاجئين بين مؤيد ومعارض كونها لم تحدد سقفاً معيناً لعدد هؤلاء الذين تستقبلهم بلادها في كل يوم، ولكن نجد أن هذه الخطوة الإيجابية قد تزيد من رصيدها الشعبي وفي الوقت نفسه ينفع حزبها الديموقراطي المسيحي الذي دائماً ما ينظر للأزمة من الناحية الإنسانية وعدم الالتفات إلى الأقاويل الفارغة والانتقادات اللاذعة لاسيما ونحن نرى التعاطف الكبير حول مصير هؤلاء اللاجئين وكيفية إيجاد طرق بديلة لانقاذ أوضاعهم المأسوية.
وبالتالي للقضاء على ضغوط الاحزاب المعارضة والجدل المتزايد حول هذه الأزمة الإنسانية يجب على حزب الاتحاد الديموقراطي المسيحي الذي تمثله ميركل البحث عن أجندة واضحة تصحح مسارها السياسي من خلال إيجاد عملية تسوية مع بقية الأحزاب المعارضة ويتقدمها الاتحاد المسيحي الاجتماعي للتفاوض حول أزمة اللاجئين لمعالجة طلبات اللجوء وإيواء اللاجئين في مناطق متعددة في أنحاء أوروبا ثم البحث في مسألة استقدام بقية الأقرباء، غير أن قضية طالبي اللجوء المؤهلين قد فاقت كل التوقعات في ألمانيا بالذات وهذا ما جعل اسم أنجيلا ميركل لامعاً في سماء اللاجئين «كالأب الروحي» من جهة، وداعماً في رصيد أصوات ناخبيها من جهة أخرى، ففي الربيع المقبل (شهر مارس) سيكون موعد الانتخابات الألمانية حاسماً وسيحالفها النجاح رداً على منتقديها الذين يقولون إن ميركل جعلت بلادها معرضة للاختراق، ولكن في الواقع هي رسالة ذات أبعاد انسانية لا يجيد قراءتها للعالم إلا العملاقة «أنجيلا ميركل»!! ولكل حادث حديث،،
[email protected]