أقل ما يمكن قوله هذه الأيام أن مستقبل لبنان على المحك. لم يعد الموضوع موضوع رئاسة الجمهورية وانتخاب رئيس جديد بمقدار ما انه موضوع متعلق بمصير البلد ومستقبله. هل لبنان بلد يستأهل الحياة أم أنه محكوم عليه العيش متنقلاً بين أزمة وأخرى وأن يكون مجرّد «ساحة» للنزاعات الاقليمية لا أكثر ولا أقل؟
في العام 1958، انتهت الأزمة التي شهدها البلد باتفاق أميركي - مصري جاء بفؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. وسبق طي ملف الأحداث اللبنانية، ولو موقتاً، إنزال للقوات الأميركية في لبنان إثر انقلاب الرابع عشر من يوليو في العراق، وهو الانقلاب الدموي الذي أطاح بالنظام الملكي والذي لا يزال العراق يدفع ثمنه إلى الآن. كان الإنزال الأميركي في لبنان رداً مباشراً على ما حدث في العراق، وكان دليلاً على مدى أهمية لبنان إقليمياً. كان ذلك الإنزال بمثابة إشارة إلى أن القوة العظمى التي اسمها الولايات المتحدة ليست على استعداد للوقوف مكتوفة في حال حصول تهديد للأنظمة المعتدلة في المنطقة وكان على رأسها وقتذاك المملكة الأردنية الهاشمية.
استقر الوضع في لبنان بين العامين 1958 و1968 نتيجة ظروف إقليمية مواتية. استطاع لبنان المحافظة على أراضيه بسبب عدم مشاركته في حرب العام 1967. كان لبنان على علم بأن موازين القوى لا تسمح له بالمشاركة في تلك الحرب، فخرج رابحاً منها. لم يدرك لبنان أن الثمن الذي سيدفعه، بسبب تحليه بالحكمة، سيكون غالياً وأنه سيتوجب عليه دفع ثمن الإخفاقات العربية بما في ذلك رغبة النظام السوري في المتاجرة بالجولان عن طريق لبنان. ولذلك، بدأ تدفق الفدائيين الفلسطينيين على الأراضي اللبنانية مع أسلحتهم الثقيلة والخفيفة انطلاقاً من الأراضي السورية ابتداء من العام 1968. وجاء توقيع «اتفاق القاهرة» ليكون أكبر جريمة عربية في حق لبنان أراد من خلالها جمال عبد الناصر، وكان تحت صدمة الهزيمة، تحميل البلد الصغير أكثر بكثير مما يمكن تحمله وذلك نتيجة إخفاقه في حرب عام 1967 وشعوره بعقدة ما تجاه الشعب الفلسطيني والعرب الآخرين الذين خذلهم. رفع عبد الناصر شعارات تتجاوز قدراته الحقيقية. ولما فشل في تطبيق الشعارات، هرب منها في اتجاه إجبار لبنان على توقيع «اتفاق القاهرة» الذي فتح جبهة جنوب لبنان أمام العمل الفدائي الفلسطيني في حين كانت كل الجبهات العربية الأخرى مغلقة. رضخ الرئيس المصري وقتذاك للابتزاز السوري بدلاً من أن يقف ويقول بصوت عال: ارفعوا أيديكم عن لبنان نظراً إلى أنه لا يتحمل أن تكون حدوده وحدها مفتوحة مع إسرائيل، فيما الجبهات الأخرى كلها صامتة بما في ذلك جبهة الجولان حيث الأرض المحتلة.
إلى الآن لا يزال لبنان يدفع الثمن. ثمن الهزيمة العربية وثمن التقاعس والجبن العربيين وثمن الشعارات التي لا علاقة لها بالواقع والحقيقة وآخرها شعار «الممانعة». خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في العام 1982، لكنه وجد من يتابع مهمة بقاء لبنان «ساحة» للنزاعات الإقليمية. لا شك أن إسرائيل برفضها تنفيذ القرار الرقم 425 الصادر عن مجلس الأمن واستمرارها في احتلال شريط حدودي لعبت دوراً أساسياً في إبقاء لبنان «ساحة»، لكن ما لا يمكن تجاهله أن بقاء «حزب الله» مقاومة بدعم إيراني - سوري بعد الانسحاب الإسرائيلي في مايو من العام 2000 كان تأكيداً لالتقاء المصالح بين بعض العرب وغير العرب من جهة وإسرائيل من جهة أخرى كي يظل لبنان «ساحة».
منذ توقيع «اتفاق القاهرة» في العام 1969 بضغط عربي على لبنان، لا يزال الوطن الصغير يعاني من الصراع ذاته بين منطقي الثورة والدولة. لا يمكن أن تكون هناك ثورة حين تكون هناك دولة. لا معنى للمقاومة حين تنسحب إسرائيل ويعلن مجلس الأمن أنها انسحبت تنفيذاً للقرار الرقم 425. هناك رغبة واضحة في استخدام لبنان «ساحة» في ظل العجز العربي والسوري تحديداً. ثمة حاجة إلى أصوات عربية تقول بصوت عال إن كفى تعني كفى، وإن المطلوب التوقف عن استخدام لبنان «ساحة». المسألة ليست مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية بمقدار ما انها مسألة التوقف عن الهرب إلى لبنان بسبب العجز عن مواجهة إسرائيل لا أكثر ولا أقل. لا شك أن إسرائيل لا تعارض مثل هذا التوجه. لذلك كانت دائماً في وجه قيام دولة في لبنان وكانت دائماً مع استمرار المواجهة بين منطقي الثورة والدولة. إنها تتفرج الآن بارتياح شديد إلى ما يدور في لبنان، «حزب الله» لم يعد يزعج الدولة اليهودية منذ وجه سلاحه إلى صدور اللبنانيين واعتبر أن مرشحه للرئاسة هو الفراغ أولاً وأخيراً، وأن الأولوية للبنان «الساحة» وليس للبنان الدولة.
هناك رجل اسمه ريمون إده، كان الوحيد بين زعماء الموارنة في لبنان وقف في وجه «اتفاق القاهرة» في مجلس النواب في العام 1969. كم كان ريمون إده الذي توفي لاجئاً في باريس قبل سبع سنوات على حق عندما حذر من النتائج التي ستترتب على توقيع «اتفاق القاهرة». إن الأخطار المحدقة بلبنان اليوم أكبر بكثير من تلك التي نتجت عن «اتفاق القاهرة»، نظراً إلى أن عناصر «حزب الله»، الذي يرفض منطق الدولة، عناصر لبنانية تابعة للواء في«الحرس الثوري» الإيراني. هل يخرج لبنان من هذا الصراع أم يذهب ضحيته؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يتجاوز هل يكون لديه رئيس جديد قريباً أم يكون فراغ في الرئاسة؟
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن