سلسلة التوحيد العملي / رحيق البلاء (1 من3)

1 يناير 1970 02:07 م
فتحت أبواب القدر سيول البلاء على نفسي,وضربتها أمواج الألم فى بحار الحيرة,فما أفاقت النفس إلا على شاطىء جزيرة الفكر,ذاهلة, وحيده, مع أفكاري في حالي وأعمالي والماضي ومألي, لم يترك البلاء مني شيئا إلا أتى عليه, وهطل عليها وابل السؤال. قالت «ابتلاء أم عقوبة ؟ قلت لها هذا سؤال لا يحل لكي أن تسأليه..أليس من أركان الإيمان أن نؤمن بالقدر خيره وشره حلوه ومره. قالت هذا حديثي معك, قلت إنما هي ذنوب جرت وخطايا أُقترفت وفضائل تنحت ونوايا تشتتت وأعمال تبعثرت... قالت» ابتلاء أم عقوبة ؟ سؤالي يدوي فى جنباتي يضرم القلب بحزن عميق وألم شفيق, سؤالي يعتصرني حسره ويقتلني ندم فأجبني,قلت أعلى العقوبه الحرمان من لذة الإيمان والحرمان من الأنس بالرحمن قالت ابتلاء أم عقوبه ؟ سؤال آراه فى عيون من يعودوني وأحس به فى أيدي من يصافحوني فأين إجابتك ؟؟ «قلت تأملي قوله تعالى»مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ «النساء (123)وصفحات السوء يا نفس فى أيامك كثيرة, قالت نعم لكن أكان السوء بقدر هذا البلاء الذي لم يترك شيئا من القلب والجسد والمال حتى نال منه, قلت تأملي قوله تعالى»مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ «(النساء 79) وتأملي قوله تعالى» وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير»الشورى (30) و قوله تعالى «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ?7?وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» الزلزله ?8?«وأنتِ تعلمين يا نفس أن الشر عندك ليس بمثاقيل الذر ولكن بمثاقيل الجبال وأعداد الرمال...أم تراكي يا نفس نسيتي الجنايات والخطيئات والزلات والعثرات هل نسيتي قوله تعالى (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) الجاثية (21) سكتت واعتبرت وفى صحراء وحشة الذنوب شردت وتفكرت وتذكرت ولم يتركها الشيطان حتى لاح لها سراب حسن الظن فقالت أين قرباتي وسجداتي وختماتي وزكاتي ودعواتي ودعوتي وقيادتي ؟,ألم يتمنى موضعي الأكابر والأكارم ؟.. أكانت إدعاءً أم رياء أم نفاقاً ؟..قالت إنه اذاً الابتلاء. قلت تريدين أن يكون إبتلاء لا عقوبه.. تريدين يا نفس أن تكوني محل رفعه لا محل تهمه, يانفس لما تسالين وعلاما تبحثين, تبحثين عما يرضيكِ ويبرؤكِ ويزكيكِ, ألا تخافين من هجوم قوله تعالى» وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا «الفرقان( 2) أو من بطش قوله تعالى»وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّـهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ «الزمر (47)»... لا إله إلا الله...«وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّـهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» ها هو يا نفس قد بدى لك عاقبة أمرك فى الدنيا فاحذري من الاخرة, ساء حكمك يا نفس وخسر حسابك وليس لكِي إلا الخوف من أن تكوني ممن قال الله تعالى فيهم «قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرينَ أَعمالًا ?103? الَّذينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَياةِ الدُّنيا وَهُم يَحسَبونَ أَنَّهُم يُحسِنونَ صُنعًا» الكهف (104)

يا نفس لقد ذقت أنواعاً من البلاء وتقلبت فى منعطفات الفتن وتجرعت مرارة المحن..وما رأيت فى ثمراتها إلا العطاء وما كانت يوماً عقوبه لا عند حدوثها ولا بعد إنجلائها.. بل كما قيل «قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض الناس بالنعم», يا نفس يقولون «أن من يعصى الملك فى بلاطه ليس كمن يعصيه بعيداً عن أرضه» فالموجود فى بلاط الملك عقوبته حاضرة سريعة قويه فإن كنت يانفس تدعين أنك مقربة من بلاط الملك فأحسن الظن بك أن هذا عقاب المقرب...وهنا إتسع لها السراب... وظنت القرب.. وراحت تقلب في ماضي أقوالي وأفكاري عن البلاء والابتلاء, قالت ألست أنت وحدك القائل أنواع الابتلاء ثمانية, 1- ابتلاء بداية الإيمان 2- ابتلاء ثبات الإيمان 3- ابتلاء زيادة الإيمان 4- ابتلاء الاختبار والتمحيص 5- ابتلاء التشريع والتكليف 6- ابتلاء التنبيه والتوجيهه 7- ابتلاء التمكين والإمامه فى الارض 8- ابتلاء العقوبات على الذنوب. هذه زهور أفكارك ونصوص أقوالك سطرتها للناس ودافعت عنها يوم أن حصروا الابتلاء فى العقوبه, نعم أنت القائل إبتلاء بداية قول الايمان, لمجرد التلفظ بقول الايمان قال تعالى (أَحَسِبَ ?لنَّاسُ أَن يُتْرَكُو?اْ أَن يَقُولُو?اْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ(2) ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّـهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ )(3) العنكبوت,فالابتلاء من أجل تصديق القلب وعمل القلب وعمل الجوارح فالقول وحده ليس كاف وهذا هو الثابت فى عقيدة أهل السنة والجماعه وهذا من أبلغ الرد على من خالفهم من باقي الفرق

وهذا ايضا ليس عقوبه ولا بسبب ذنب بل بسبب بداية الايمان فليس كل ابتلاء بذنب,ولا كل ابتلاء عقوبة. ولفظ البلاء فى القران والسنه يختلف معناه عند الإطلاق أو التقيد أوالإفراد أوالإضافه.

*داعية إسلامي ومهندس استشاري بوزارة الاوقاف