ضوء

ماذا بعد الشتاء؟!

1 يناير 1970 09:38 م
ألم نحسب في يوم أن تُديرَ الطاقةُ لنا ظهرها؟! كما فعل بنا الأصدقاءُ وكما غدر بنا الأصحاب! أليس من المنطق أن نحسب حساب نهاية المطاف في كل طريق نسلكها؟! لعل ذاك هو الرشد بعينه، وتلك هي الحقيقة التي يصعب أن نتهرب منها هذه المرة.

سيداتي آنساتي سادتي... حان الآن موعد الانتباه من الغفلة التي غرقنا في ألوانها، وسرقتنا شاشاتها. سوف نتذكر جميعاً هذه الكلمات حين يصل الغدر الذي نمارسه تجاه بعضنا في المجتمع إلى صفحاتنا الالكترونية ويتربع ذاك الغدر على سطح المكتب في أجهزتنا المحمولة حينها سنعرف أن ما فعلناه نحن العرب تجاه بعضنا ستنتقل عدواه إلينا ويصل لِيُلامس أيدينا، ذاك هو غدر الطاقة؛ سيكون الأمر مفجعاً لنا حين لا تستجيب أجهزتنا وشاشاتنا لِلَمساتنا الحنونة! سوف نندم على إهمالنا لأهلنا وبعدنا عنهم، وسيكون الأسف كبيراً حين نتذكر تلك الفجوة الكبيرة التي صنعناها ببرودنا ولَهْوِنا مهملين التواصل الإنساني الفطري وتكريسنا للعلاقات الجوفاء المفرغة من الحس البعيدة عن الشعور! عبر التواصل الالكتروني الذي نَعدُّه نعمة، فانجرفنا به إلى حالة من النقمة، نعم حين نستيقظ يوماً فلا تستجيب لنا شاشاتُنا وتطوي الشبكاتُ الالكترونية ذاكرتَها عنا ونمسي في قطيعة الكترونية، وقتها لن ينفع الندم. لقد هجرنا اليوم الكتبَ لتبقى على أرفف المكتبات تنتظر مع غبارها لحظة الإتلاف، وزَهِدنا بأصحاب المهن والحرف لدينا بذريعة النهضة الالكترونية ولم نجنِ من ذلك لا توفيراً للوقت ولا استثماراً للمال! بل خسرنا أن يتعلم الجيل الناشئ مهاراتٍ وفنوناً دفنّا أصحابَها بأيدينا؛ فلا نحن اكتسبنا من الخطاطين روائعَ خطوطهم وأسرارَ فنونهم، ولا نحن لمسنا بذائقتنا ما قدم لنا الرسامون من ألوانِ رِيَشهم وخفايا لوحاتهم.. وهكذا تجاهلنا أن ننقل للجيل القادم روائع التذوق الحسيِّ وانساق معظمُنا مع الشاشات الذكية إلى حالة من الكسل الدماغي صاحبَهُ فتورٌ في الهمة وتواكلٌ لا مثيل له! كيف بنا ونحن على ذلك تُباغِتُنا الطاغةُ بغدر لم نحسب له حسابا!

في تلك الحال لن يكون بيننا مَنْ يُنقذنا، لأن أصحاب الحرف والفنانين والمبدعين سينحسر عددُهم وتضيقُ دائرتُهم ولن نجد في تلك الحال التي سنصل إليها محترفاً لمهنة يديوية؛ ربما لن نعثر على خطاط ولن نجد يومها رساماً ولن نصادف معلماً أو كاتباً ولن نجد مَن يصمم لنا بيده رسماً هندسياً! فما هي حالنا يومها وقد دارت الدائرة بنا فإذا بها علينا؟! حين نتخلى عن المحترفين اليوم ونتجاهل المبدعين الآن، غدا سوف يُذيقُنا الناموسُ ما أذقناه اليوم للآخرين، وإن لم نصحُ من غفلتنا ونفتح أيدينا للمبدعين، إن لم نُنَمِّ لدى الجيل مَلَكَةَ الفنون الفطرية وأسرار الحرف اليدوية لن يغفر لنا القدرُ ذلك، وسوف تُدير لنا الطاقةُ ظهرَها كما أدرنا ظهورَنا اليوم للمبدعين.. وسوف تسقط أوراقُنا ورقةً ورقةً، وذاك خريفنا الذي لا ربيعَ لنا بعد شتائه!

* كاتب وشاعر سوري