لعب المثقفون طوال التاريخ دوراً مهماً ومميزاً في قيادة مجتمعاتهم من الوجهة الثقافية والتوعوية وتحسين الواقع من كل الجوانب، وعملوا على النهوض بها وتطويرها بالتزامن مع عصر الإبداع والتفوق، كما استطاعوا التأثير في الشأن المجتمعي العام والتدخل حيال ما يحصل من تبدلات وتغيرات في السلوك الإنساني لأي مجتمع باعتباره نتاجاً طبيعياً لتأملات واستنباطات المثقف الواعي.
لا شك أن التغيير الذي يصنعه المثقف في المجتمعات بغية التحسين في ثقافتها هو تغيير مدروس ومبني على أطر علمية واسعة المدارك من أجل تنوير طرق التفكير وتحديث المقومات السلوكية، التي تتدخل حيالها الفئة المثقفة من منطلقات ذهنية عالية الجودة ومنطقية تتحرك ضمن منظومة القيم التي تعوّل عليها هذه الشريحة توجهاتها.
إن لقب مثقف لا يطلق على المتعلم أو حامل الشهادات العلمية مهما علت، فليس هناك علاقة بين الشهادة والعلم بالثقافة، فهناك الكثير من الأدباء والمفكرين يملكون موهبة دون أن يكون لهم حصة الأسد من الشهادات أو المؤهلات العلمية، وأيضا لا يطلق لقب «مثقف» على كل شخص يقرأ، فالمهم في القراءة هو نوعية ما يقرأ.
إن المثقف الحقيقي يقول لما لا يعرفه لا أدري ويكثر من هذا القول، وهذا لا يتنافى بأن يكون مثقفاً البتة. كلما زادت ثقافته ونمت زادت مناعته الفكرية وقدرته على إقناع الآخرين بما يعتنق من مبادئ أو أفكار دون أن يشعر بذلك، ويصمت عندما تعلو أصوات الجهال إلى أن يستنزفوا طاقاتهم السلبية في اللغو ويصلوا إلى مرحلة القابلية لفهم وإدراك ما سينطق به أو ما يقوله والاستماع إليه بوعي.
يتصف المثقف بمميزات وخصائص تجعل الدور الذي يقوم به في النهوض بالمجتمع أهمية كبرى، فسلوكه لا يناقض ما ينادي أو يبشر به، ويقدم للناس الحقيقة كما هي رغم أنها قد تكون صادمة أو بشعة. ويعرف معنى الإنسانية ويحترمها منحاز دائما للمسحوقين والمظلومين والبسطاء مدافع عنهم وعن أحلامهم، ولا يمكن أن يكون منافقاً أو وصولياً أو تخديرياً. وهو متوازن الشخصية يستفيد من عقله ليتعامل به. وقدوة حسنة للآخرين في سلوكه ومعاملاته.
إن المثقف يؤمن بالتنوع والرأي و الرأي الآخر المخالف أو المختلف، ويتفهم الاختلاف ويغض الطرف عنه ولا يكل ولا يمل في بذر روح الأمل والعمل في القلوب، ورفع معنويات من أصيب باليأس والقنوط. وهو يهضم ما يقرأ جيدا أكثر مما يقول ويكتب، ويجيد الاستماع أكثر مما يجيد التكلم، ويجيد الدفاع عن أفكاره أكثر من إجادته للهجوم على أفكار الآخرين.
المثقفون هم قوة المجتمع والقوة الموزعة بين كل الطبقات وهم الطليعة الفاعلة المتفاعلة والفضاء الأوسع لمكونات المجتمع. ومن أعظم مسؤوليات المثقف وأهدافه منح بني البشر المعرفة وتوعية أوساط المجتمع، وهذا عمل لا يقوم به العلماء، فالعلماء يمنحون مجتمعهم أو المجتمع البشري قوة علمية بوجودهم، لكن المثقفين يعلمون المجتمع كيفية السير ويمنحونه الهدف ويضيئون له الطريق. فالوعي يبدل الجماهير الضعيفة الراكدة إلى جماهير بناءة نشطة، وبذلك ينهض المجتمع.
المثقف إنسان على وعي بالتناقضات الاجتماعية وعلى وعي بالعوامل الصحيحة لهذا التناقض والتضاد وعلى وعي باحتياجات هذا العصر وهذا الجيل ومسؤول عن إبداء طريق الخلاص للمجتمع في هذا الوضع المتناقض وتحديد الحلول للمجتمع، وينقل إليه علمه ووعيه فهوعليه أن يضحي أكثر ويتوقع أقل.
يجب أن يساهم المثقف مجتمعياً وينتقل إلى دوره الاجتماعي الإصلاحي ويتبنى منهجاً توعوياً للجيل الجديد من الشباب وأن يقوم بالاهتمام بهم ورعايتهم بدلا من تركهم لمن يرعاهم من خارج أوطانهم، وينخرط مع الجيل الجديد لأن مفهوم الثقافة لدى هذا الجيل يحمل أدوات مختلفة عن تلك التي يحملها الرعيل القديم، فمسؤولية الأجيال القادمة، وضمان مستقبلها يبدآن من اليوم. وإذا اختلطت خبرات الكبار والمثقفين والمفكرين مع طاقة هؤلاء الشباب فإنها ستنتج أعمالاً رائعة تحمل المجتمعات على أكف التنمية نحو المسارات الصحيحة.
* كاتبة كويتية
[email protected]@suhaila.g.h