إضاءة / أنت من يصنع القيمة!

1 يناير 1970 03:41 م
كثير منا يعيش حياته في حدود رغباته، ينام يستيقظ ياكل يشرب يعمل لايفكر الا في نفسه، كيف يحصل على كذا وكذا وكيف يتجنب كذا وكيف يصل لكذا، ويزيد إلحاحا على مايريد وما ان يحصل عليه يفكر في غيره وهكذا، دوامة من الأحلام والطموحات.

حسنا، لاضير في ذلك طالما ان حب النفس غريزة متأصلة في النفس البشرية وانه من الجيد ان تحظى ذات الفرد بتقدير عنده، يطورها، ويحفظ لها عزتها وموضعها الصحيح الذي يليق بها، ويحافظ على صحتها، لكن المشكلة كل المشكلة حينما يزيد إحساس المرء بنفسه عن حده، عندها يجب ان يدرك هذا الشخص أنه مصاب بداء الأنانية.

الأناني شخص لا تزال (الأنا) تكبر فيه، حتى إن انفجرت تطاير منها الغرور والكبر وتحقير الاخرين واصطبغت على ملامح شخصيته، الأناني شخص لا يملك الشجاعة الأدبية في الاعتذار عن هفواته وزلاته، منهجه الصعود على أكتاف الاخرين، وفلسفته الغاية تبرر الوسيلة أياً كانت مشروعيتها، متى اقتضت مصلحته العليا بذلك، أما حكمته فتقول عش لنفسك فقط فلا أحد لأحد، ومشكلته الأزلية بينه وبين نفسه تدور حول الإيمان بأن عالم الماديات هو من يعطيه القيمة عند الناس وفي حال فقدها ذهبت قيمته!

الأنانية صفة يكتسبها الفرد في الغالب منذ الطفولة، وتلعب التنشئة الخاطئة دور كبير في غرسها في نفوس الاطفال، ومن ذلك التدليل الزائد والتوجيه الزائد كأن نقول للطفل احفظ اشياءك عن عبث الاطفال الاخرين، وأحيانا الحرمان والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة، والأخطر من ذلك الكره والحقد على الآخرين، والتمييز بينه وبين أقرانه بشكل مباشر.

الأناني لم ولن يشعر في يوم من الايام بالرضا، ذلك لانه يخسر لذة الإحساس حينما يحاول باستمرار امتلاكه، ولو سلّم جزء من أمنياته لإرادة الله، لكانت الحياة في عينه اجمل واسلس، ولو ترك رغباته تعبر عن نفسها دون الضغط عليها لأحس بالسعادة والارتياح، لكن ركضه وجشعه المستمر وراء امتلاك المزايا دون امتلاك الجوهر الساكن فيها، ذلك ما يجعله دائماً في حالة قلق وعدم اتزان، فليس كل صاحب علم صاحب أخلاق، وليس كل صاحب مال صاحب كرم وعطاء.

وعلى النقيض، لا يعرف معنى الإيثار الا العظماء، أُهدي لأحد الصالحين شاةً فقال إن أخي فلان أحوج لها مني، وقال اخوه إن جاري فلان أولى بها مني، يُقال أنه تداولتها سبعة بيوت حتى عادت لصاحبها الأول، بعدما كسب الثواب والذكر الطيب، عادت لصاحبها الاول لأنه لم يعط من باب مصلحة او منفعة، إنه العطاء والإيثار الخالص لوجه الله حيث الأبقى والأنقى.

مهما كانت الرغبة جارفة لديك ومهما كانت الحاجة ملحة وأساسية، يبقى التخلي أكثر مصداقية، في لحظة التخلي تتجلى القيم الانسانية الحقيقية فتظهر على طباع النفس البشرية، وما تتخلى عنه اليوم، سيأتيك طوعاً في يوم من الايام، وتذكر جيدا ان القيمة منك ولك وليست من الأشياء التي بين يديك، أنت من يصنع القيمة.