خواطر تقرع الأجراس / كيف تصبح مترجماً لصّاً؟

1 يناير 1970 07:44 م
من لصوصية الترجمة: الترجمة الإلكترونية التي تغري بالتحايل والتزوير؛ والقارئ سيكون محتاجاً إلى (ترجمان محلَّف)، ليفك طلاسمها.

ومن لصوصية الترجمة: ترجمة النص المترجَم! فليس عليك سوى البحث عن كتاب مترجَم رصين شهير لمترجم محترف، ومن أي لغة كانت، من دون أن تعرف أنت أي لغة ! فقط عليك اعتماد المترادفات اللغوية وتطويع الجملة المترجَمة لترجمتك ( الإبداعية )! ثم تأبّط شرَّك، واذهب إلى أي دار نشر تجاريةٍ، وانشرها باسمك واقبض ثمن لصوصيتك!

بين يدي الآن كتاب فلسفي مشهور جداً. لا تخف! ليس المفروض بك أن تعرف الفلسفة ولغتها ومصطلحاتها ورجالاتها. الكتاب هو ( قصة الفلسفة) لـــ(وِلْ دْيورَنْتْ) مؤلف قصة الحضارة.

الترجمة الأولى ظهرت بطبعتها الأولى عام 1965 في بيروت عن المكتبة الأهلية، بترجمة أحمد الشيباني، في 926 صفحة. والترجمة الثانية ظهرت بطبعتها السادسة في بيروت عام 1988 عن مكتبة دار المعارف بترجمة د. فتح الله محمد، في 639 صفحة، من دون مقدمة منه أو تنويه من الناشر عن طبعته الأولى.

يقول الشيباني في ترجمة الفصل الأول: «إنك إذا ألقيت بنظرة على خارطة أوروربا فستشاهد اليونان تبدو كأنها يد هيكل عظمي تمد بأصابعها الملتوية داخل البحر الأبيض المتوسط. فجنوباً منها تقع جزير كريت العظمى حيث استولت تلك الأصابع الشرهة، في الدورة الألفية قبل الميلاد، على بدايتَي الحضارة والثقافة. وإلى الشرق من اليونان، وعبر بحر إيجا، تقع آسيا الصغرى التي تقبع الآن ساكنة خاملة، لكنها كانت قبل عصر أفلاطون تنبض بالكد والتجارة والمصافقة والمضاربات...».

وترجمة الدكتور فتح الله: إذا نظرت إلى خريطة أوروبا فإنك تلاحظ أن بلاد اليونان تشبه اليد التي تمتد أصابعها الملتوية إلى داخل البحر الأبيض المتوسط والتي تقع في جنوبها جزيرة كريت العظيمة التي استولت عليها الأصابع المنقبضة منها في الألف سنةٍ الثانية قبل المسيح على بداية المدَنية والحضارة. وإلى الشرق عبر البحر الإيجي تقع آسيا الصغرى التي يسودها الهدوء والجمود الآن، والتي كانت تخفق، في تلك الأيام السابقة لأفلاطون، بالصناعة والتجارة والفكر... «.

أرأيت فن الترجمة اللصوصية؟ جرِّب ترجمتك: بدّل وحرّف وغيّر واكشف في معاجم المترادفات عن حيلة تنسب فيها الترجمة إليك. فالناشر تاجر، لا يهمه سوى نشر كتاب مشهور: تقبض ثمن لصوصيتك، ويقبض أثمان خيانته. وانتهى الأمر!

وبين يدي الآن طبعتان من كتاب الفيلسوف (نيتشه): هكذا تكلم زرادشت.

ظهرت طبعته الأولى في الإسكندرية عن مطبعة جريدة البصير 1938بترجمة فيليكس فارس. مهداة بخط المترجم إلى د. محمد حسين هيكل. وتقع في 295 صفحة.

والطبعة الثانية طُبعت في بيروت بترجمة فيليكس فارس أيضاً وهي طبق الأصل حرفياً عن السابقة، فهي للمترجم ذاته. ولا أستطيع توثيق تاريخها فقد احترقت مع مكتبتي وبيتي في مصيفٍ جبلي في الأحداث الراهنة.

أما الطبعة اللصوصية الجريئة في لصوصيتها فصادرة عن دار أسامة في دمشق، دون تاريخ، والمترجم هو....الدار!؟ دار تترجم بلا مترجم؟ ما أجرأك أيها اللص المترجم!

والجديد في (ترجمة الدار) الغلافُ فقط ونوع الخط وعدد الصفحات... للتمويه. وهي تتبع الأصل المطبوع نقطة نقطة وفاصلة فاصلة... حقاً إنها الأمانة العلمية ؟!

الشاعر السوري عمر أبو ريشة كان يتقن سبع لغات كتابةً وقراءةً ومحاضرة في أربع منها. يقول:«الدافع الحق هو أن أشرب بالرحيق الزلال من ينابيع اللغات الصافية، قبل أن تمازجه (لوثة الترجمة)».

صدقتَ يا(دانتي) حين قلت: الترجمة خيانة.

ويبدو أننا نعيش (عصر خيانات) في كل مظاهر الحياة!

* كاتب سوري