الموظف «الميكافيلي»
| نواف حجي العريان |
1 يناير 1970
05:11 م
من الموظفين من لا تمثل المبادئ في نفسه شيئا ايا كانت، لانه يراها أغلالا يصفد بها الإنسان نفسه بارادته، إلا إذا كان ذلك المبدأ يحقق له طموحه وما تتوق إليه نفسه فنعما هو، محروم المروءة لا يعرف للعادات والتقاليد طعما ولا لونا، في نفسه أن هذا الطريق هو السبيل الاقصر والاسرع للوصول إلى ما يريد، فأصبح شعاره في الحياة والعمل «الغاية تبرر الوسيلة»، وحتى يصل اكثر واكثر كانت احواله عجيبة واطواره غريبة، فهو دائما يشعر بانه في معركة حامية الوطيس بينه وبين زملائه الموظفين، والواقع انهم في واد وهو في واد، يشعر بالانقباض في صدره وضيق يعتصر قلبه إذا نال أحد الموظفين في عمله ترقية أو كرّم بكتاب شكر أو شهادة تقدير، ويرتفع ضغطه إذا سمع كلمة ثناء في أحد زملائه.
لا يألو جهدا في نشر الاشاعات المغرضة عن بعض الموظفين المميزين محاولا التقليل من شأنهم وانجازاتهم، واما التحبيط فهو فارسه الذي لا يشق له غبار، يحاول اقناع الآخرين من زملائه وكل على حدة في جلسات خاصة أو اتصالات مطولة أن العمل قائم بالبركة ولا يثمر الجهد الذي تقوم به عند مسؤول لا يعير للمتميزين اهتماما، «تقتل نفسك عملا ولا أحد يقدر ما تقوم به، وفي الاتجاه المعاكس يبذل اقصى طاقته في ابراز ما يقوم به من عمل لدى المسؤول، هو دائم الثناء والمديح لنفسه ويحاول ولو بالقدر اليسير أن ينسب ما يقوم به الآخرون من انجازات لنفسه وانه شريك لهم في هذا النجاح.
متميز في نقل الكلام ونمام من الدرجة الأولى، كم نشبت شجارات عنيفة بين الموظفين بفضل جهود والسبب الخفي وراءها هو، وهو مدين للهاتف النقال الذي سهل عليه مهمته واختصر عليه المسافات، وفي المقابل يظهر امام مسؤوله بانه الموظف اللطيف الوديع المحبوب من جميع الموظفين.
يعلم أن بين مسؤولة ومسؤول آخر خلافا وشقاقا، فأصبحت هذه النقطة من اكبر الابواب التي يدخل منها إلى قلب مسؤوله، ينتقص من المسؤول الآخر ينقل اخطاءه واخطاء موظفيه، ينقل له ما يقولونه عنه مع كثير من الزيادات والبهارات كي يظهر امام مسؤوله أنه المخلص له من بين الموظفين.
يعرض خدماتها الخاصة على مرؤوسه في العمل، في وزارة كذا ودائرة كذا، يقضي حاجات ومتطلبات المنزل لرئيسه وحتى حاجات ابنائه ونسائه فهو لا يجد في ذلك حرجا ولا عيبا في سبيل الوصول لاهدافه الدنيئة، ويكيل الثناء العطر لمسؤوله على انجازاته العظيمة التي قام بها وتحققت في عهده، واما سابقوه من المسؤولين فالاخطار والاخفاقات هي التوأم لاعمالهم، ما يثير في نفس مسؤوله العجب والفخر وتتعاظم في نفسه داء الأنا والكبر والغرور والاعتداد برأيه وفكره حتى لو كان هباء منثورا.
اما أمنيته التي يبوح بها امام مسؤوله فان يعطيه الله فكرا مستنيرا كفكر مسؤوله، فهو الفكر الذي يحتاجه العمل في ترسيخ وارساء مكتسباته وتطوير انتاجه، وهو على قناعة تامة بان فكر فراش مكتب المسؤول انظف وارقى، ولكنها الشللية والمحسوبية هي التي اوصلت المسؤول.
هذه النوعية من الموظفين ما كان لها أن تعيش وتصل إلى ما وصلت إليه في جو وظيفي صحي غير موبوء بالشللية والمنفعة والانتهازية، لانها طحالب لا تعيش إلا وسط مياه آسنة بكل رائحة كريهة راكدة على خداع المسؤول ومعلقة وجودها بوجود هذه النوعية من المسؤولين.
العلاج يبدأ من الرأس الكبير- المسؤول- فيجب أن يكون المعيار في تقدير الموظف كفاءته ومؤهلاته واداء عمله لا ما ينجزه من خدمات خاصة وطاعة للمسؤول في غير اختصاص العمل، كما ينبغي عليه إلا يسمح بنقل الكلام بين الموظفين على وجه النميمة، ولا يمرر ما يعجبه ويحتاجه من كلام وتتنزل عليه الامانة والصدق فيما لا يشتهي.
واما الموظفون فينبغي عليهم احسان الظن ببعضهم البعض والمصارحة في ما يدور بينهم من نقل الكلام، لانه يقطع الطريق عليه القيل القال، مما يؤثر على انتاجية العمل وعلى سلوكيات الموظفين واخلاقياتهم في ما بينهم، وعليهم مواجهة هذه النوعية من الموظفين وامام المسؤول وفضحهم امامه وامام الجميع، ومحاسبتهم فيما اقترفوه من اخطاء وسلوكيات اضرت بزملائه والمؤسسة التي يعمل بها، فكم من طاقة اهدرت وكم من حق ضاع وكم من كرامة اهينت بسبب الموظف الميكافيلي.
كلمة أخيرة إلى الموظف الميكافيلي: الارزاق بيد الله ينزلها على من يشاء، ولو تجري جري الوحوش غير رزقك ما تحوش، فاطمئن وارتاح.