خواطر صعلوك
«روبابيكيا» ثقافية!
| محمد ناصر العطوان |
1 يناير 1970
12:31 ص
وجدت في مقدمة كتاب «اليد واللسان» للدكتور السعودي الرائع عبدالله الغذامي قصة عجيبة حدثت في إحدى القرى، حيث يذكر أنه كان هناك طفل في الكتاتيب يحمر وجهه وتنتفخ أوداجه ويهرب راكضاً إلى بيته كلما شاهد اللوح والقلم، وبعد البحث والتحري اكتشف المعلمون أن والد هذا الطفل مبتور اليد اليمنى، وقد بترت يده لأنه حاول أن يؤرخ للفترة التي يعيشها، وما أن بدأ في تسجيل ما يمر بالبلاد من أهوال ومعاملة الوالي السيئة للجميع حتى قام الوالي بقطع يده، فأصبح ابنه الصغير يخاف اللوح والقلم الذي تسبب في قطع يد والده وبات يرتعب على يديه هو أيضا.
لا يحتاج الأمر منا كثير تفكير أو تحليل حتى نكتشف أن ما أصاب الولد الصغير هو عملية ارتباط شرطي بين القلم وبين قطع اليد، ولكن الذي يحتاج منا إلى الكثير من التفكير والكثير جداً من التحليل هو هذا السؤال: ما الارتباطات الشرطية الموجودة اليوم في أدمغة أطفالنا تجاه القلم والعلم والعلماء؟
أذكر مرة أنني قرأت أن طالباً كويتياً (لا أذكر اسمه) فاز بالمركز الأول في اختراعات الطاقة الشمسية بأستراليا، وكان الخبر منشوراً داخل مربع صغير في الصفحات الداخلية للجرائد. بينما فريق كرة قدم فاز بالمركز الأول في الدوري المحلي وضع في الصفحات الأمامية، ومن هنا نعلم مقدار التخبط!
فميزانية التعليم تفوق ميزانية الرياضة عشرات المرات، ورغم ذلك لا نجد لها صدى في الواقع، وإن وجدت فمكانها البرامج التي لا يتابعها أحد. والرياضة التي لا تمس الواقع في مجتمع مهدد بالانقراض بسبب السمنة توضع أخبارها في الصفحات الأولى...عجبي!
إن هذا مثال بسيط وسطحي لأوضح لك كيفية تكون الارتباط الشرطي لدينا، ولكن دعني أضرب لك مثالاً أكثر عمقاً (حلوة أكثر عمقاً، حسستك إني مثقف)، على الرغم من أننا تعلمنا في المدرسة أن اكتشاف النار كان بواسطة تجربة الإنسان الأولى بحك حجرين ببعضهما أو بفرك عصاتين، إلا أن الغالبية العظمى منا لم تحاول محاكاة التجربة الأولى، والسبب باختصار أننا نراها مضيعة للوقت.
بينما محاكاة «الفاشينستا» أو حياة الممثلين الكبار أو طريقة اللاعبين المحترفين أكثر نفعاً وليس فيها مضيعة للوقت لأنها ستجعلنا في الصفحات الأولى أو في أهم البرامج.
ما الذي ستجلبه لي الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء أو الفلسفة، أو حتى أن أكون من العلماء الكبار...في الواقع لن تجلب لك شيئاً، وأكبر دليل على ذلك أني أنا شخصياً كاتب المقال لا أذكر اسم الطالب الكويتي العبقري الذي فاز باختراعات الطاقة الشمسية! ولكني أعرف أسماء الذين انتقلوا من صفحة الحوادث إلى صفحة الاقتصاد لكي أسير على خطاهم!
هل عرفت الآن عزيزي القارئ الهمام يا من تشكو الزحام وسرقة اللئام مدى مصيبة الارتباط الشرطي الذي يعشش في عقولنا دون وعي.
****
قصة قصيرة:
قالوا له: أنت مجنون!!
فرد عليهم: بل أنتم المجانين!!
ثم صمت قليلاً، وأخذ يحدق في الأعداد الغفيرة التي تواجهه، وأضاف:
تبا لكم...أعلم أنكم ستغلبونني بسلاح الأغلبية.
كاتب كويتي
moh1alatwan@