تحليل
قرار «أوبك» في الميزان
| بقلم محمد الشطي |
1 يناير 1970
03:16 م
اجتمع وزراء النفط في منظمة «أوبك» في فيينا يوم الجمعة الماضي، واندهش الجميع من السرعة التي تم بها الوصول الى قرار وبصورة جماعية، بالرغم مما سبق المؤتمر من تصريحات صحافية أوجدت انطباعات بوجود خلافات، ولكن التوافق الجماعي جاء على أساس الاستمرار بالعمل بالسقف الحالي لـ «أوبك» عند 30 مليون برميل يومياً، وقد احتوى الإعلان على الدعوة للالتزام بالسقف المقرر.
لا اعتقد بوجود أحد من المراقبين يختلف بانه بالرغم مما أثير حول قرار «أوبك» في نوفمبر الماضي، الا ان نتائج القرار اثبتت دور «أوبك» في السوق النفطية في العالم، وعمق نظرة «أوبك» لتطورات السوق، وبالتالي وجدنا المؤشر الواضح المتمثل في تعافي أسعار النفط الخام، ولكن لابد من الإقرار بأن تحقيق إعادة توازن السوق النفطية في بداياته، وان قرار «أوبك» في الاستمرار بالعمل في السقف الإنتاجي الحالي يصب في دائرة سياسة نجحت وتحتاج إلى وقت أطول لتأكيد نجاحها وأن أي تغيير سواء بالزيادة او النقصان لن يقدم المؤشرات للسوق أو يسهم في تحقيق التوازن.
تشير التوقعات إلى أن السوق يحتاج الى ارتفاع في نفط «أوبك» خلال الربع الثالث على الأقل مع عوده المصافي للعمل وتحسن الطلب، خصوصا إذا ما اعتبرنا ان الفائض في السوق هو في النفط الفائق النوعية وهو لا يمثل غالب إنتاج «أوبك» بل إن دولاً بعينها تنتج النفط الخفيف الفائق النوعية في «أوبك» مثل ليبيا يعاني الإنتاج فيها بسبب الحالة السياسية فيها، بينما هناك تراجع في المعروض من النفط الثقيل والمتوسط في السوق، وهو ما يمثل غالب إنتاج «أوبك» حيث تمتلك المصافي الجديدة قدرات تحويلية وتكسيرية عالية وتحتاج لتلك النفوط خصوصا في آسيا والولايات المتحدة الأميركية، ولذلك وجدنا حصة النفوط من خليجنا العربي تحافظ على تواجدها في السوق الأميركية ولا تتأثر إلا بشكل طفيف بل وجدنا دولاً مثل فنزويلا تستورد النفط الخفيف الجزائري وتخلطه مع النفط الفنزويلي الثقيل بقصد تسويقه ورفع حصة مبيعاتها في السوق الأميركية حيث يتأكد الطلب هناك.
وعلى صعيد الأسواق الآسيوية فقد نجح العديد من البلدان الأعضاء في «أوبك» في خليجنا العربي برفع قدراتها الإنتاجية من النفط الخام وزياده حصة مبيعاتها للأسواق الآسيوية الواعدة، بل وبأسعار عالية نسبيا قلصت في الفروقات ما بين النفط الخفيف والثقيل لمصلحة النفوط المتوسطة والثقيلة وبالتالي بالرغم من ضعف الأسعار نسبيا الا ان النفوط المتوسطة والثقيلة استطاعت ان تكتسب علاوات أفضل تمثل عوائد أفضل لبلداننا في خليجنا العربي.
واعتقد أصبح واضحا ان هناك فائضاً من النفط الخفيف الفائق النوعية لا يتماشى مع حجم ما تريده وتحتاجه المصافي، ولذلك فإن هذا التطور أسهم في دعم السوق النفطية خلال الأشهر الماضية ومن المتوقع ان يستمر.
كذلك مع خفض الشركات النفطية للإنفاق الاستثماري ومخاوف من تأثير انتاج النفط سواء الصخري او المعروض في المستقبل، فإن هذا عاملاً أيضا يحتاج الي التريث والاستمرار بالعمل في قرار «أوبك» الحالي، واعتقد ان سكرتارية «أوبك» تظل تراقب السوق وتطوراتها من اجل تبني قرار لمصلحة السوق.
كما يجب التذكير بأنه بالرغم من مخاوف من الدخول في حرب أسعار لمصلحة الزبون وتقليل الإيرادات في أجواء يشتد فيها التنافس، الا ان الواقع اثبت عكس ذلك تماما إذ إن التنافس لم يبلغ تلك الدرجة بل إن العديد من الأسواق الواعدة في السوق من اجل الحصول على كميات إضافيه من النفط الخام وهو يثبت بانه فعلياً فإن الزيادة في الطلب على النفط الخام في اسيا بدأت تستوعب الزيادات من المعروض فقد وصل انتاج «أوبك» خلال شهر مايو 2015 عند 31 مليون برميل يوميا وما زالت الأسعار عند مستويات متعافية ومقبولة نسبيا لصالح توازن السوق ولم يسجل ارتفاع كبير في المخزون بالرغم من تقديرات الصناعة والتي يضع بعضها بناء المخزون خلال النصف الأول عند 2.4 مليون برميل يوميا ولو كان ذلك حقيقه لوجدنا تأثيره في السوق على الأسعار لأن أي نفط إضافي يشكل ضغوط على مستويات أسعار النفط.
هذه المؤشرات في جملتها تؤكد مصداقية وصواب قرار «أوبك» في 5 يونيو 2015 بالاستمرار بالعمل في السقف الإنتاجي عند 30 مليون برميل يومياً خصوصاً في ظل ظروف ارتفاع وتيره التصعيد في العوامل الجيوسياسية، والتي يقل تأثيرها بسبب كفاية الإمدادات في سوق النفط.
ورغم التفاؤل في قرار «أوبك» الأخير إلا ان تعديل منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي لتوقعاتها لمعدل نمو الاقتصاد العالمي ليكون 3.1 في المئة خلال عام 2015 يعتبر عاملاً مهماً قد يؤثر سلبا في معدل النمو الطلب العالمي على النفط، وطبعاً ستتم متابعته من قبل المراقبين، أضف الى ذلك قوه قيمة الدولار، بالإضافة الى عودة النفط الإيراني للسوق النفطية وحجمه وتوقيت عودته وتعامل بقية المنتجين مع عودة النفط الإيراني للسوق والتي رحب فيها أعضاء منظمة «أوبك» متى ما حصلت، وكان تصريح النعيمي بهذا الشأن يؤكد التفاؤل وعدم الخوف.
كما يعتقد المراقبون ان سياسة «أوبك» في المحافظة وحماية أسواقها وحصصها في السوق قد يعني استمرار كفاية الإمدادات في السوق وبقاء أسعار النفط حول مستويات تضمن استمرار كفاية الإمدادات وتحفيز الطلب العالمي على النفط خلال السنوات القادمة، ولعل الفائدة في ذلك من الصعوبة استهداف رقم بعينه ولكن استمرار الأسعار عند مستويات بعينها لفتره طويله من دون تذبذب او تقلب يعني بلوغ السوق الي المستوى العادل وهو امر يجب متابعته، فالأمر الآن متروك للسوق، كذلك من الفوائد تحفير البحث والتطوير للاستفادة من التكنولوجيا في خفض تكاليف الإنتاج ورفع كفاءه استخدام الطاقة، ومتابعة نجاح الشركات العالمية والخدماتية للاستمرار في تحقيق أرباح في أجواء أسعار تدور ما بين 55 – 65 دولاراً للبرميل لنفط خام الإشارة برنت، وبالرغم من الحديث عن خفض تكاليف الإنتاج في الولايات المتحدة الاميركية، الا اننا لا نجد مثل هذا الحديث يتم التعبير عنه في خليجنا العربي بصورة واضحة ولكن الأجواء يمكن استغلالها للضغط على الشركات العالمية بأنواعها على نقل الخبرات في هذا المجال في اطار المصالح المشتركة، ولعل الخاسر في أجواء الأسعار الحالية هو الغاز الطبيعي لارتباط أسعاره بأسعار النفط الخام ولتوقعات ارتفاع المعروض في السوق مما يشجع على تنامي السوق الفورية وزيادة الاعتماد على المعروض في السوق الفورية.