تجارة / النمو بعيداً عن النفط
بقلم محمد التويجري*
1 يناير 1970
10:18 ص
كانت منطقة الشرق الأوسط، على مدى الأعوام الخمسين السابقة، ومازالت، تمثل حجر الأساس بالنسبة للتطور الاقتصادي السريع الذي شهدته كوريا، أو ما بات يعرف بـ «معجزة على نهر الهان» –كإشارة إلى الطريق المائي الذي يشق مساره عبر مدينة سيئول، العاصمة الكورية.
ولا شك أنه بإمكان الخبرات الكورية في مجالات مثل النقل والمواصلات والإنشاءات والتكنولوجيا أن تلعب دوراً مهماً في تمكين منطقة الشرق الأوسط من تسريع ودفع عجلة نمو اقتصاداتها بعيداً عن النفط.
وتتميز العلاقات القائمة بين كوريا ودول منطقة الشرق بجذورها العميقة تاريخياً. فالتجار العرب هم أول من قام بعمليات التبادل التجارية على شبه الجزيرة الكورية في القرن السابع.
وكان الفضل لهؤلاء التجار العرب خلال توجههم غرباً في طريق عودتهم في نشر اسم «كوريا» بين الأوروبيين نظراً لصعوبة نطق اسم عائلة جوريو، التي حكمت كوريا الحديثة منذ عام 918 وحتى عام 1392.
وعندما أصبح بارك تشونغ هي رئيساً لكوريا في عام 1961، كان تأسيس علاقات ترابط دبلوماسية مع المملكة العربية السعودية في عام 1962 من ضمن أهم أولوياته. واليوم تعتبر المملكة العربية السعودية رابع أكبر شريك تجاري لكوريا، بينما تعتبر كوريا خامس أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية.
ومنذ البدايات الأولى لهذه العلاقات، ازدهرت الشراكات بين القطاعات الاقتصادية التقليدية مثل الطاقة والإنشاءات.
وفي عام 1975، ساعدت الخبرات الكورية دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء جسر فوق التقاطع الضيق لجزيرة أبوظبي، مما ساعدها في التغلب على الكثير من مصاعب التنقل بين طرفي الجزيرة دون التأثر بحركات المد والجزر.
وبعد مضي ثلاثين عاماً، قامت ايضاً شركة سامسونج بتولي أعمال التصميم الهندسي لبرج خليفة في دبي المكون من 162 طابقاً والذي يعتبر أطول مبنى في العالم.
نرى اليوم أن المشاريع التي تتولاها الشركات الكورية في المنطقة هي انعكاس لما سبقها حيث لا تزال الشركات الكورية تواصل تقدمها على نفس المنوال في منطقة الشرق الأوسط.
وتعمل مجموعة من الشركات الكورية على بناء أولى محطات إنتاج الطاقة النووية السلمية في دولة الإمارات العربية المتحدة بتكلفة قدرها 20 مليار دولار أميركي، وهو ما يعزز طموح دولة الإمارات في أن تصبح أول دولة عربية تقوم بإنتاج الطاقة النووية لأغراض تجارية.
ومؤخراً قامت الرئيسة بارك كون –هي، التي تسير على خطى والدها بارك شونغ –هي، بزيارة لمنطقة الشرق الأوسط وذلك للمرة الثانية على التوالي منذ توليها للرئاسة في فبراير 2013. ولقد رافقها في هذه الزيارة وفد كبير مكون من رجال الأعمال ضم 116 مندوباً وممثلاً عن الشركات العامة والخاصة.
و في اليوم التاسع من الزيارة، التي شملت كلاً من الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، تم إبرام 44 اتفاقية وصفقة بلغت قيمتها 1 تريليون وون كوري (أي ما يعادل 887 مليون دولار أميركي) اضافة الى إلتزامات للدخول في شراكة لعدد من المجالات اشتملت على استكشاف مستقبل جديد للطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية.
ونظراً لكون دولة قطر تخطط لإنفاق ما قيمته 200 مليار دولار أميركي خلال السنوات القادمة في إطار استعدادها لاستضافة بطولة كأس العالم في العام 2022، فإن الخبرة الكورية في مجال البنية التحتية ستكون موضع ترحيب واهتمام.
إن الخبرة الكورية في مجال البنية التحتية لها ما يدلل على أهميتها. ففي عام 1998، استضافت كوريا دورة الألعاب الأولمبية الصيفية، وفي عام 2002 استضافت بالاشتراك مع اليابان بطولة كأس العالم لكرة القدم. وهي الآن بصدد إنشاء ستة ملاعب جديدة للتحضير لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي ستقام في عام 2018 – وهو حدث سوف يتم خلاله استخدام تقنية شبكات الجيل الخامس اللاسلكية الواعدة لاول مرة في العالم.
وفي السياق نفسه، لدى دولة الكويت طموحات بأن تتحول الى مركز مالي وتجاري اقليمي بحلول العام 2035 وهي رؤية تعتمد على خطة تنمية خمسية وللمرحلة الاولى للخطة فقد تم رصد 116 مليار دولار أميركي لمشاريع بنية تحتية مثل مشروع المترو والسكك الحديدية.
ويتواصل التعاون الاقتصادي لكوريا مع دول الشرق الاوسط بزخم ثابت حالياً ومستقبلاً. فقد تم مؤخراً ابرام اتفاق شراكة مع بوسكو، أكبر الشركات المصنعة للحديد الصلب في كوريا، وصندوق الاستثمارات العامة، صندوق الثروة السيادي للمملكة العربية السعودية، والتي تضم تحالفاً استراتيجياً ما بين القطاعات الاقتصادية مثل الإنشاءات وصناعة السيارات.
ولدى المملكة العربية السعودية بعض من أكبر المنشآت المنتجة للألمنيوم بأرخص الأسعار على مستوى العالم، وهو ما يدفعها لدراسة موضوع تطوير قطاع صناعة السيارات.
إن هذه الرؤية في بناء قاعدة صناعية توضح مدى التزام المملكة بتنويع اقتصادها المعتمد على النفط بشكل أساسي.
وإن تحول سيئول الناجح لتصبح رابع أكبر اقتصاد في آسيا يعتبر بالنسبة للعديد من دول منطقة الشرق الأوسط بمثابة إلهامٍ لما يمكن تحقيقه في منطقة مستعدة للاستفادة من موقعها الجغرافي الفريد والمتميز بين الشرق والغرب.
في الوقت الراهن، تعمل شركة طيران الإمارات، التي تتخذ من دبي مقراً لها، والتي تعتبر واحدةً من شركات الخطوط الجوية الخليجية الثلاثة التي تضم «أكبر شبكة من الوجهات العالمية» على تشغيل رحلتين يومياً إلى سيئول باستخدام أسطولها الذي يضم 60 طائرة ايرباص 380ايه وهي تعتبر أكبر طائرة لنقل الركاب في العالم.
وفي مجال الشحن، قام ميناء الشحن في إمارة أبوظبي أخيراً بتوسيع شبكته البحرية التجارية الدولية من خلال ربطها بشركة هانجين شيبينج الكورية للناقلات البحرية التجارية.
وتعمل هذه الخدمة الأسبوعية على الربط ما بين موانئ خليفة وخورفكان وجبل علي مع ميناء بوسان، خامس أكثر ميناء ازدحاما في العالم، حيث انخفضت مدة النقل من أسبوعين تقريباً لتصل إلى 11 يوماً.
ومما لا غرابة فيه بأن دولة الإمارات العربية المتحدة تحتل الآن المرتبة الثانية عشر، وهي تسبق كوريا بمرتبة واحدة في مؤشر الترابط لشركة دي اتش ال، وهو مقياس للترابط العالمي. ولقد ارتفع ترتيب دولة الإمارات بمقدار تسعة مراتب حلال السنوات الخمسة الأخيرة مما يوضح وتيرة التقدم الذي أحرزته على مستوى منطقة الشرق الأوسط باتجاه مستقبل ما بعد النفط.
كما ان الآفاق الإقتصادية لمصر هي واعدة وتزخر بفرص جديدة. فقد عُقدت القمة الاقتصادية بمصر خلال شهر مارس الماضي في منتجع شرم الشيخ في البحر الاحمر وعكست حاجة مصر الى استتثمارات هائلة في قطاعات اقتصادية حيوية. وجذبت القمة الاقتصادية اكثر من الفي وفد ورؤوساء دول ورؤوساء تنفيذيين لبعض من اهم واكبر الشركات العالمية بما في ذلك وفد كبير من كوريا ضم 30 شخصا من الرسميين ورجال الاعمال.
وفي إطار إيجاد اقتصادات قائمة على المعرفة في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا كهدف طموح لدول المنطقة، فمن المرجح أن تساهم اتفاقيات الشراكة التي يتم إبرامها مع الشركات الكورية إلى توفير تقنيات صناعية جديدة ونقل واكتساب المعارف والخبرات في عدد من المجالات عبر هذه الشركات الى القطاعات الصناعية المرتبطة بها.
وقد يكون التجار العرب أول من قام بعمليات التبادل للبورسلان الإيراني واللؤلؤ بالذهب والأحجار الكريمة الكورية قبل 1.500 عام تقريباً، إلا أن هذه العلاقة الغنية توفر المزيد من الفرص والإمكانات في عالم اليوم مقارنةً بما كانت توفره سابقاً.
* الرئيس التنفيذي لبنك HSBC الشرق الأوسط وشمال أفريقيا