أماكن / تلك العيون... العيون (1)
| جمال الغيطاني |
1 يناير 1970
07:10 ص
بقدر تعلقي بها أثناء سعيها، قدر تعلقي بها بعد انقضائها المباغت...
إلى اليسار المتجه صوب حارة الوطاويط، يقع أحد مصادر البهجة في زمني الأول، إنه العسال.
لا أعرفه، لا أعلم شيئا عنه، لا أعرف حتى أين مسكنه... وإن سمعت فيما بعد أنه مقيم بالعباسية، تبادر إلى ذهني تساؤل، ما علاقته بالجمّالية إذاً؟.
كيف يجيء هذه المسافة ويعود بعد وقوفه في الدكان طوال اليوم؟ ربـــما كــان ينتمي إلى أسرة تقــيم منذ زمن وانتقلت، بقي الدكان، احتمالات عديدة، غير أنني لم أنطق استفسارا كــأنــي أفــضل إبقاءه فــي مــنــطقة الــغــموض بعيدا عن أي كشف.
نحيل، جلد على عظم. أنفه بارز، نظارته إطارها من المعدن، كأنه سلك، أذناه بارزتان، لا أستعيده إلا واقفا خلف الفاترينة، منحنيا إلى الأمام كأنه يهم بفحص شيء ما، لا أتوقف عنده إلا أول أيام العيد، ليس في الواجهة طوال أيام السنة ما يلفت النظر، إنه محل خردوات، مساحته محدودة، ما يميزه عن المحلات الأخرى ترتيب الأشياء فيه، علب السجائر، بعضها صغير الحجم، يباع بالعلبة.
أصناف لم تعد متداولة وقت هذا التدوين، هوليوود، وينجز، ماتوسيان، بلمونت، البستاني، لكل منها حجم وطول مغاير، علب أخرى أكبر حجما تحوي كل منها مئة، وتلك تباع فرط، بالواحدة، الـــعـــلب الـــفـــارغــة أحصل عليها منه بعد شراء الأقلام أو الكراسات، أو ما أرسلني أبي لإحضاره، كنت أحتفظ بهـــا، وفـــي ســـاعـــات اللــعب فوق السلم أرتبها مع عزة وكاميليا.
من الدكان سرت إليّ رائحة الدخان التي تشبعت بها العلب الفارغة، رائحة الدخان المتبقية تلك صارت مرجعا منه القياس، بعد أن عرفت تدخين النرجيلة وأنواعا شتى من السيجار، كلما دنا التوباكو من حاسة شمي، أستعيد تلك الصناديق الفارغة، غير أنها لم تكن من مصادر بهجتي، تتجدد تلك الانشراحة مع قدوم العيد، عند الناصية.
أثناء خروجنا ساعين إلى مسجد سيدنا الحسين، أترقب المرور أمام العسال، الساعة مبكرة ما بين الخامسة والسادسة، الضوء واهن، طلوع النهار لم يكتمل بعد.
الواجهة تتلألأ، مصابيح صغيرة ملونة تتخلل البالونات، العرائس مفتوحة العيون، غزيرة الرموش، فوق سطح الفاترينة وداخلها تصطف اللعب، عربات صغيرة بعضها يشبه ما أراه في الشوارع عند مصاحبة الوالد، خاصة عربات الأجرة موحدة الطراز، منها ما يتوقف في الطريق لعطل ما، ينزل السائق بعصا حديدية على هيئة زاوية قائمة، يدخلها في فتحة بالمقدمة، يديرها بقوة، يندلع صوت المحرك، العصا اسمها «مانافيللا» أحيانا تُشهر في العراك، لكنها للتهويش، فلم أرها تنزل على جسد قط.
لعب مصفوفة، علب حلوى مغطاة بورق شفاف، هذا الحيز الضيق الذي يتحرك فيه بحذر، يصبح مصدرا لبهجة لم أعرفها من قبل، أو من بعد، لا أعرف مصدرها بالضبط، يحمل قدوم العيد فرحا ناتجا عن كسر المألوف، استثنائية تخصه، أغفو ورائحة الملابس الجديدة تغمرني، القميص والبنطلون والحذاء، تقليد لم يقصر ولم يحد عنه أبي، يصحبنا إلى محل محمد حسنين. يعمل فيه والد سعاد التي سأتعلق بها فيما بعد، سأحب والدها طيب الوجه، وسأشفق عليه عندما يصاب بشلل أقعده.
الأحذية من محل قريب يقع إلى جوار فندق رضوان الذي يجلس أمامه باستمرار عبدالرسول الهندي، ذروة البهجة بعد عودتنا من الصلاة ورؤية جمال عبدالناصر.
الجلوس حول الطبلية، الكعك والشاي باللبن في العيد الصغير، الفتة باللحم في الكبير، لكعك العيد فرادة بين جميع أنواع الحلوى، لا يكتسبها إلا أيام العيد، لو اقتربت منه بعد انقضائه لوجدته مغايرا، مختلفا في المذاق، تماما مثل الكنافة، لو تذوقتها في غير رمضان لوجدت شيئا آخر لا صلة له بما اعتدته، ليتني أعرف قوانين الأشياء قبل التمام!