الأولى تعنى بتصيد الأخطاء لتقريع المرتكبين والثانية تدرس الإخفاق لتطرح المعالجات

في الكويت... «مماحكة» سياسية... لا معارضة فعلية

1 يناير 1970 10:10 ص
• المعارضة في النظم الديموقراطية تهدف من طرح القضايا إلى استبدال النهج وسد الثغرات استباقاً لتكرر الأخطاء وفي الكويت غير ذلك

• بقاء المعارضة خارج البرلمان لا يلغيها من المشهد السياسي أما «المماحكة» فتفقد أبرز عناصرها المتمثل في مناكفة الحكومة

• لا خيارات حقيقية للمعارضة وفق منظورها الحالي إلا انتظار ما تجود به الحكومة من أخطاء لتلتقطه كردة فعل تثير به بعض الغاضبين
هل كان التخبط الحكومي طيلة عقدين من الزمان الرهان الذي كانت تتكئ عليه المعارضة السياسية في إدارة المشهد المحلي، إذ ومنذ أن أبطل القضاء مجلس 2012 الأول، لوحظ أن هذه المعارضة تعاني الأمرين في إيجاد أرضية صلبة تقف عليها وتعيد لها رونق الأيام الخوالي حينما كان صدح الحناجر يقيل وزراء ويغير مجالس أمة.

هذا الرونق الذي كانت تتجمل به تلك المعارضة لم يكن وليد جهد يذكر لأعضائها أو متابعة حثيثة لمتطلبات النمو في المجتمع، وإنما كان نتاج هفوات حكومية لم تحسن في أغلب الأحيان من التعامل مع مجلس الأمة إما بدافع عدم الرغبة في التعامل أصلا معه، أو ضمن صراع سياسي يستخدم هذا الطرف أو ذلك إقصاء أو حرقا لمراحل سياسية مستحقة أو منتظرة.

وعلى ذلك كان المراقب على مدى عقدين من الزمان يرصد ظاهرة جديرة بالاهتمام محورها أن قضايا تثار ويستعر أوارها ثم ما تلبث أن تخمد دون نتائج حقيقية ملموسة سوى في استبعاد وزير أو رحيل حكومة وتغيير طاقمها أو صرف الأنظار بعيدا عن أمر ما، أو ربما تغيير مجلس أمة بالمجمل، وفي الخيار الأخير اعتاد الكويتيون على استبدال ما معدله 40 في المئة على الأقل من النواب مع كل انتخابات جديدة بما يعني أن بعض ما كان يثار يهدف إلى تغيير المشهد السياسي لصالح طرف هنا أو طرف هناك.

المعارضة السياسية وفق النظم الديموقراطية العاملة ضمنها تهدف من طرح القضايا إلى استبدال النهج، وسد الثغرات استباقا لتكرر الأخطاء، وفي الكويت كانت المعارضة وعلى مسيرة عقدين من الزمان تفتح الملفات إما رغبة في تغيير وزير لا يروق بعض أطرافها أو إمعانا في تثبيت مكتسبات تحققت من قبل ولمست خشية تبدلها بتبدل الظروف التي أوجدتها، وهو ما يتلمس من كم الاستجوابات التي قدمت طيلة عقدي تسعينيات القرن الماضي، ثم العقد الأول في الألفية الثالثة وعلى مدى أكثرمن سبعة مجالس نيابية تقريبا قدم بها أكثر من 30 استجوابا أفضت في مجملها إلى لا شيء يذكر على صعيد التنمية الحقيقية، رغم أن قضايا حقيقية طرحت ووثائق استعرضت وبيانات ومعلومات سطرت بها إلا أن المتابعة الحثيثة لملفاتها قصرت على الأثر المباشر دون أن تمتد إلى ما خلفه.

وبحسب مراقبين محايدين فإن المعارضة التي تحاول التقاط أنفاسها حاليا وتبحث لها عن موطئ قدم في سياق مشهد مستمر لا ينظر خلفه لن يكون لها وجود حقيقي إن كانت تدور في فلك المماحكة السياسية دون أن تتطور لتصبح معارضة حقيقية، إذ إن المماحكة تعنى بتصيد الأخطاء ورصدها، في حين تعنى المعارضة الحقيقية بتلمس الإخفاقات والبحث عن معالجات لها.

المعارضة حتى وإن اختارت البقاء خارج المشهد السياسي لفترة إلا أن فعلها الاجتماعي يكون مؤثرا وتعود بقوة في أي تغييرات لاحقة بعدما يستشعر الناخبون أن أمر بقائها خارجا لم ينتج ما توقعوه، أما «المماحكة» في الكويت والتي اختارت أن تكون خارج المشهد البرلماني، فقد فقدت أبرز عناصر وجودها الفعلي المتمثل في مناكفة السلطة وافتعال أزمات مع الحكومة، وعليه فإن كل بياناتها التي تتلوها خارج سياق حاضنتها المتمثلة في مجلس الأمة لا تخلق ردة الفعل المتوقعة عنها، ولا يعير لها المجتمع بالا إلا في أوساط مجاميع محدودة لا تشكل قوة ضاغطة باتجاه التغيير المطلوب.

قبل سنتين تقريبا طرحت هذه «المماحكة» مشروع الإصلاح السياسي لها، إلا أنه لم يجد أصداء له في المجتمع ليس لأنه غير واقعي في تقاصيله أو لأن خطوطه العريضة لا يمكن أن تتحقق في الواقع السياسي الحالي بل لأن أعضاء هذه «المماحكة» لم يذهبوا بعيدا في شرح أبعاده وإطاره ومنطلقاته والتوقعات حول نتائجه على المديين المتوسط والبعيد، حيث اكتفوا بالإعلان وتركوا الأمر برمته لظروفه وهي حالة مستغربة في العمل السياسي الجاد، وغير مستغربة في العمل السياسي الكويتي التي تصدت له مجاميع كان يبدو أن أفق طموحها البقاء في المشهد السياسي على حساب أي فعل آخر.

المعارضة التي أحرقت سفن المرجعية التي يمكن الركون إليها حين تأزم العلاقة بين السلطتين والمتمثلة في القضاء حينما رفضت ماخلص إليه بشأن مرسوم الصوت الواحد، لا يبدو أنها كانت تعي أن خياراتها في العمل السياسي محدودة جدا وأن خروجها من البرلمان يعني أن لا وجود حقيقيا لها في الشارع، وأن هذا الفهم للعمل السياسي لم يكن وليد أو صنيع السلطة أو الحكومة وإنما هو نتاج سنوات من العمل النيابي الذي لم يثمر عن صياغة خارطة سياسية جادة تجعل من البرلمان جزءا يسيرا من هذا العمل، وكان أن اختزل العمل السياسي برمته في البرلمان بفعل هذه القوى التي لم تحسن التعامل مع نص المادة السادسة من الدستور التي تنص على أن الأمة مصدر السلطات فاختزلتها في: البرلمان مصدر السلطات وحامي حمى الدستور، وعليه كان الفعل السياسي وعلى مدى عقود معليا لوجود البرلمان ومنحيا لأي فعل سواه.

لا خيارات حقيقية للمعارضة وفق المنظور الحالي إلا انتظار ما تجود به الحكومة من أخطاء لتلتقطه كردة فعل تثير به بعض الغاضبين، ولا خيار حقيقيا لها إن أرادت أن تكون ضمن نسق الدولة إلا أن تترك نهج المماحكة وتتحول إلى معارضة جادة، ومعارضة تحتكم إلى مرجعية وتقبل بقراراتها.