التساؤل المطروح: لماذا لا تستغل الحكومة القبول الشعبي له لتغيير نهج الوحدات المستقلة ؟
فلسفة الإسكان... الحل في «العمودي»
|?كتب جاسم محمد الشمري?|
1 يناير 1970
06:31 ص
• الإقبال على الإسكان العمودي في غرب الصليبخات ينبئ بقبول مجتمعي له
• الكل ينتظر البيت الحكومي وعينه على الدخل المدر منه وقلة يريدونه مسكناً خاصاً لهم فقط
• جولة على المدن الجديدة تكشف أن السكن الخاص تحول إلى عمارات سكنية ولا عزاء للخصوصية
لم يكن ذاك الخمسيني المبتهج يعكس الحالة المجتمعية السائدة عرفا وهو يبدي سعادته بالحصول على مسكن له ضمن البناء العمودي الذي اعتمدته الحكومة في منطقة شمال غرب الصليبخات، لم يحدد لها اسم بديل حتى اللحظة ولم تلحق إداريا بمنطقة الصليبخات لتشكل جزءا من قطعها، وحينما كان يتلقى التهاني فرحا من رواد الديوانية المتسائلين عن مواصفات ذلك المسكن ويجيبهم بأريحية مفرطة إنه دور كامل بخمس غرف وصالة وديوانية مستقلة مع غرفة خادمة، سألته على حين غرة عن وقت تقديم طلبه ليجيب بأنه في العام 2005 وحينها غمزته بخبث أن دوره حان لأن الإقبال على الشقق ليس كبيرا، إلا انه بادرني بالقول إن ذلك غير صحيح وأن الإقبال على أشده، وبالأخص من فئة شبابية تجد أن من غير المجدي انتظار سنوات طويلة للحصول على مسكن في حين أن من الممكن اختصار تلك السنوات والحصول على شيء جيد وبمواصفات مقبولة اجتماعيا.
فرحة الخمسيني تلك لم تكن هي ما انطبع في ذهني، وأنا استمع إلى صديق يخبرني بحصوله على مسكن حكومي في مدينة جابر، إلا أنه اختار تأجيل انتقاله إليه لأنه وعلى حد قوله سيباشر بناء دور ثالث فيه يضمنه شقتين يستفيد من إيجارهما بما لا يقل عن 800 دينار شهريا، إذ رحت أتساءل إن كان صديقي هذا يحتاج فعليا إلى الثمانمئة دينار فيما دخله وزوجته يتخطى حاجز الثلاثة آلاف دينار شهريا دون وجود نفقات حقيقية أو التزامات مكلفة طيلة فترة الثمانية عشرة سنة الماضية التي كان ينتظر بها دوره في السلم الإسكاني وكان يقيم في منزل والده ويتقاضى إيجارا شهريا عن ذلك.
التساؤل الحقيقي يكمن في أنه: إن كانت الحكومة تقدم لمواطنيها فرصة استثمارية فلم لا ينتفعون بها، وهي إجابة مباشرة لمن يستغرب عدم رغبة المواطنين في الإسكان العمودي، والادعاء بأنه لا يتناسب وأعراف المجتمع الكويتي القائم على الخصوصية، إذ إن هذه الخصوصية غير متحققة حاليا حينما يجول مراقب محايد في مناطق السكن الخاص ليسجل أنها أشبه بعمارات سكنية أقلها يرتفع بدورين فيما اختار الغالبية أن يرتفعوا إلى أربعة أدوار وتخصيص الدورين الأخيرين منها للإيجار بواقع شقتين في كل دور وبما لا يقل عن 1200 دينار دخلا شهريا لها جميعها.
غير أن مثار الاستغراب هنا أن تعمد الحكومة على طرح بديل الإسكان العمودي على استحياء وكخيار ثان، فيما كان الواجب التنموي يؤكد أنه يجب أن يقدم كخيار وحيد لمعالجة أزمة الرعاية الإسكانية، وأن خيار الوحدات المستقلة أو الأراضي والقروض لا تحقق تلك المعالجة وإنما تقدم بديلا استثماريا للمنتفعين بها وهي ما جعلته الخيار المفضل للمواطنين على مدى سنواتهم، إذ لا مانع من انتظار السنوات الطوال طالما أن النهاية ستحقق عائدا ماديا مجزيا.
إسكانيا، توزيع 12 ألف وحدة إسكانية سنويا لن يكون متاحا بشكل متواصل مع تنامي الكلفة على الخدمات العامة، وفي ظل استمرار أحادية الدخل، فإن بناء مدن جديدة بذات المواصفات في مدن الإسكان الحالية سيكون ضربا من الخيال، وعليه فإن البديل المتاح تغيير المزاج العام الذي يشهد تحولا بعض الشيء، بدليل ذاك الخمسيني المبتهج، ليحل الإسكان العمودي بديلا وحيدا للراغبين برعاية حكومية في هذا المجال، على أن تكون المدن الإسكانية المطروحة حينها بمواصفات جاذبة كأن تزيد فيها المسطحات الخضراء والمنتزهات وأماكن الترفيه والتسوق، وحينها أيضا، ستوفر الـ 12 ألف وحدة سكنية مجالا لإسكان 60 ألف أسرة وليس 12 ألفا فقط، وحينها ثالثا، يدفع المواطن إلى تحمل خيار رغبته في مسكن مستقل يبتاعه من ماله الذي ادخره، لا أن ينضم إلى نادي الملاك بهبة حكومية متاحة حاليا إلا أنها مكلفة في السنوات العشر المقبلة الأمر الذي قد يخلق حينها حنقا شعبيا على حكومة لم تفكر مليا في دفع مواطنيها إلى ما يمكن أن يكون تنمويا وبناء لوطنهم، وربما كان هذا الوقت تحديدا الأنسب للحكومة لدعم خيار الإسكان العمودي بوجود مجلس أمة راغب في الانتهاء من القضية الإسكانية برمتها، ولن تجد مانعا في إقناع الغالبية من نوابه بنهج الإسكان العمودي خاصة إن مررت أن خيار الوحدات المستقلة لن تعتمده إلا في المدن الحدودية في العبدلي والسالمي والنويصيب على سبيل المثال، وتخصيص المناطق القريبة المقترحة للإسكان العمودي فقط.
هل تعلق الحكومة الجرس وتبدأ في تغيير نهج معالجتها للقضايا التنموية، أم أنها ستستمر في العمل وفقا للمبدأ المحلي (( على طمام المرحوم )) وذلك لأنه ليس بالإمكان أفضل مما كان ؟ الإجابة حتما ليست هنا.