تحليل
الحرب إذ تطرق باب المندب
| كتب عبادة أحمد |
1 يناير 1970
08:35 م
طوال العقود الماضية، كانت أسواق النفط تعرف جيداً اسم «مضيق هرمز». يبدو الآن أنها تحفظ اسماً لم تعتد عليه من قبل: «باب المندب».
لا تساهم اليمن بأكثر من 0.2 في المئة من الإنتاج النفطي العالمي، إلا أن موقعها الجغرافي عند هذا المضيق يجعلها نقطة توتّر عالٍ لتجارة الطاقة العالمية. فعبره تمر ناقلات النفط الخام المتجهة إلى الغرب من دول الخليج العربي عبر مضيق باب المندب إلى قناة السويس فالبحر المتوسط.
لا ينتبه كثيرون إلى أن دول الخليج أنفقت استثمارات ضخمة خلال السنوات الماضية لتحرير خطوط إمداداتها النفطيّة من التهديدات الإيرانيّة الصريحة والضمنيّة بإغلاق مضيق هرمز، فبنت الإمارات خط أنابيب بتكلفة ناهزت 3.3 مليار دولار يكفي لنقل 1.8 مليون برميل يومياً من النفط من حقل حبشان في إمارة أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، من دون المرور في مضيق هرمز. كما استثمرت السعودية كثيراً في خطوط الأنابيب التي تربط حقول المناطق الشرقية بموانئها على البحر الأحمر. ورسمت الكويت سيناريوات عديدة لحالات الطوارئ، منها تخزين النفط في أعالي البحار.
وفي جانب المستهلكين، تتحمّل الولايات المتحدة نفقات عسكريّة كبيرة لإبقاء حاملة طائرات (أو أكثر) في المنطقة لتأمين خطوط الإمدادات العالميّة.
كل ذلك يجعل من سيطرة الحوثيين على باب المندب تحوّلاً استراتيجياً كبيراً قد لا تتحمّله دول الخليج أو الدول الغربيّة، لأنه يعني عمليّاً تحكّم إيران بخط الإمداد الذي لم تكن تطوله اليد الإيرانية. ولعل هذا يوفّر سبباً اقتصادياّ كافياً وراء عمليّة «عاصفة الحزم» التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن.
ويعد باب المندب على طريق أهم ممر تجاري بين أوروبا وشرق آسيا، وهو، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، رابع أكبر نقطة لشحن النفط في العالم من حيث الكميّة، وقد مرّ عبره في العام 2013 نحو 3.8 مليون برميل يومياً كمعدّل وسطي. وتقول «بلومبرغ» إن نصف هذه الكميّة انتقلت عبر قناة السويس وخط الأنابيب الذي يربط بين ميناء عين السخنة المصري على البحر الأحمر ومجمع سيدي كرير على البحر المتوسط. وهذا يؤشّر إلى مدى أهمية المضيق الاستراتيجية لمصر، التي أعلنت مشاركتها في «عاصفة الحزم»، خصوصاً وأن إغلاق المضيق تحت أي ظرف يؤدي عملياً إلى شلل حركة الناقلات والسفن التي تمر عبر قناة السويس. ويقول المحلل الجيوسياسي تيودور كراسيك لوكالة «بلومبرغ» إن التصعيد في اليمن «ينظر إليه مبدئياً كتهديد للتجارة العالميّة ونقل النفط». ويرى أن «ثمّة مخاوف من أنه بقدر ما يتحوّل اليمن إلى دولة غير قابلة للسيطرة فإن ذلك سيجعل منه قاعدة للقرصنة في منطقة البحر الأحمر».
تبدو مواجهة السيطرة الإيرانيّة على باب المندب هدفاً استراتيجياً لا مفر منه لدول الخليج في المدى البعيد، لكن من المفارقات أن تستفيد إيران في المدى القصير من السخونة الجيوسياسيّة التي قفزت بأسعار النفط فور بدء العمليّات، ليخفّ شيء من الضغط على الماليّة العامّة الإيرانيّة، التي تواجه عجزاً كبيراً إذا ظلّت أسعار النفط عند مستويات منخفضة.