توثيق لأحداث ميدان تيانانمين عام 1989

ترجمة / «صور سلبية»... كتاب فني أم احتجاج ؟

1 يناير 1970 08:35 م
امتلأ آخر كتب المصور ( زو يونغ )، بصور شباب صيني متذمر من أصحاب المُثُل العليا، الداعين إلى الديموقراطية واستنكار ممارسات الحزب الشيوعي، لكنه يُصّر على أنه لايوجد معنى سياسي وراء قراره بنشر هذه الصور السلبية التى ظل يخفيها لأكثر من عقدين من الزمن.

يقول السيد (زو) (60 عاما)، والذي ألَّف أكثر من 20 كتابا مصورا:«إنه كتاب فني، ولست مهتما بتفسير ما يعنيه».

لكن مجرد نشر هذه الصور الخاصة بالمحتجين الذين هزّوا (بكين) بعنف في ربيع عام 1989، قد يعتبرها المتشددون الذين يحكمون الصين حاليا استفزازية. وكانوا على مدى سنوات، قد نجحوا في فرض فقدان ذاكرة جماعي للأمة الصينية، بفرض رقابة على الصور والقصص الإخبارية التي تعتبر جزءا من السجل التاريخي العام لبقية العالم.

وفي الوقت الذي تبحث فيه الحكومة الصينية إسكات خصومها من أصحاب الفِكر، فإن من السهل اعتبار كتاب السيد (زو) الأخير (صور سلبية )، مغامرةً ( مجازفةً ) شجاعةً، وإن كانت متهورةً الى حد ما. فقبل كل شيء، فإن العديد من الناس ومن بينهم العديد من أصدقاء السيد (زو) في عالم الفن، قد تم احتجازهم، في (بكين)، خلال الشهور الأخيرة، لمجرد أن بعضهم تشاركوا إرسال صور الاحتجاجات المنادية بالديموقراطية التي اجتاحت (هونغ كونغ) في أواخر العام الماضي.

وقد ظل أحد أشهر المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان في الصين، ويدعى بو زيكيانغ محتجزا لدى الشرطة منذ الربيع الماضي. فماذا كان السبب؟ إنه الانضمام لتجمع خاص، في شقة صديق له، لمناقشة التصرفات العنيفة التي وقعت منذ 25 عاما ضد المحتجين في ميدان تيانانمين.

يقول رينيه شيانغ مؤسس صحيفة (نيو سينتشوري بريس): «يدرك (زو) المخاطر المترتبة على نشر كتابه، لكن قرار النشر أمر يعود إليه وحده». و(رينيه شيانغ) يعمل ناشرا في (هونغ كونغ)، وبدأ هذا الشهر في شحن نسخ من كتاب ( صور سلبية ) الى متاجر تقع في خارج الصين.

والى الآن، فإن كتاب السيد (زو) خلا من أي مضمون قد يُعتَبر سياسيا في المستقبل. فهذا الرجل، الذي تعتبر أعماله وثائقية أكثر، يشتهر بأنه يُفضّل طباعة الصور باللونين الأبيض والأسود، وهي التي تم التقاطها في الثمانينات، وجَسَّدَت جمال (أزقّة) حواري (بكين) القديمة،قبل أن ينهار العديد منها تحت إطارات البلدوزرات، في سعي المدينة الحثيث لمواكبة الحضارة. وقد نال الاستحسان أخيرا، لقيامه بتصوير أحداث يوم كامل في حياة غانية من (بكين). كما أنه نال الثناء لمساعدته في إعداد (المنطقة الفنية) وهو مُجمّع تصنيع عسكري سابق، تمّت إعادة تخصيصه ليضمّ تشكيلة من المعارض الفنية والمقاهي.

وكتاب (صور سلبية) لم يكن استعراضا تقليديا للأحداث التي واجهها المحتجون في ذلك الربيع، إذ إنه لا يوجد صور لأحداث الرابع من يونيو الدموية التي خلَّفت المئات، إن لم يكن الآلاف، من القتلى من المدنيين، بعدما فَجَّرت القوات الصينية الطريق الذي سلكوه الى قلب العاصمة الصينية.

لكن ما يزيد الأمر غموضا، هو قرار السيد (زو) بأن يطبع فقط، الصور السلبية قياس 35 ملليمترا التي التقطها بكاميرته الـ(كونيكا) في ذلك الربيع. فهناك شئ لا يمكن فهمه بخصوص هذه الصور، بألوانها المُخَفَّفة والشاحبة، كأنها صور طيفية مأخوذة بأشعة اكس للمحتجين.

ويتبين أن الصور السلبية هي مجرد خدعة مرئية. وباستعمال كاميرا آيفون أو آيباد- ومع تعديل بسيط في زرّ (عكس ألوان)- يمكن للرائي أن يُظهِر اللون الأصلي لصور السيد (زو) ومشاهدتها عبر عدسات كاميراتهم. وبينما تعود للحياة، وجوه المضربين المصممين، والجنود الشبان الخائفين، فسيبدو الأمر وكأن المرء عثر فجأة على عالم مفقود.

وقد يفترض المرء أنه عندما طبع السيد (زو) صورا سلبية فقط، فإنه كان يحاول أن يُحَصِّنَ نفسه ضد انتقام محتمل من قبل السلطات. لكنه أصَرَّ على عكس ما يعنيه ذلك، بجلوسه في مقهى شمالي العاصمة في الأسبوع الماضي، قائلا إنه كان يحاول تثقيف الأجيال القادمة حول عالم التصوير الذي يعتمد على المواد الكيماوية الذي سبق عصر التصوير الرقمي. ويقول: «على عكس الصور الرقمية، التي يمكن التلاعب بها، فإن الصور السلبية لا تكذب أبدا».

وكان السيد (زو) قد هجر وظيفته للتو، في ربيع عام 1989، في وكالة إعلان تمتلكها الدولة، بعدما شَجَّعته السياسات التي يوجّهها السوق، والتي قدمها الحاكم الأعلى للصين (دنغ زياو بنغ). وعندما نزلت حشود الطلبة الصينيين الى الشوارع في أبريل من ذلك العام، مطالبين بالقليل من الرقابة والمزيد من الحريات وإنهاء الكسب غير المشروع المتفشي بين المسؤولين الصينيين، فقد علم السيد (زو) أن الأمة تقترب من مفترق طرق محفوف بالمخاطر، ويقول:«أحسست أنها كانت لحظات حاسمة، عندها شعرت بأنه يجب توثيق كل لحظة».

وخلال الأسابيع الستة التالية، فقد أمضى السيد (زو) وقته يوميا داخل وحول ميدان تيانانمين، يقف على مقعد دراجته الهوائية ليلتقط صورا من أعلى، حتى إنه في أثناء عمله هذا، حَطَّمَ كاميرتين، كلما تعثر وهو يهبط الى الأرض.

ولم يذكر السيد (زو) عدد الصور التي التقطها، إلا إن الكتاب يضم 64 صورة، وكأنه يشير، وكما يوحي العديد من الصينيين، الى تاريخ الحدث- الرابع من الشهر السادس (يونيو)- ليراوغ بالحيلة مسؤولي الرقابة على النت في الصين. وآخر صورة في الكتاب، وهي تمثّل منظرا مضببا لدبابة، كانت الإشارة الوحيدة للقوة الوحشية التي أنهت حياة المحتجين المسالمين.

وفي الشهور التي تلت من عام 1989، اعتبر زعماء الحزب الصيني الحاكم المظاهرات «تمردا ثوريا مضادا». وقاموا بإرسال العديد من منظمي المظاهرات الشبان الى السجن.

وبيري لينك، الخبير في الشؤون الصينية في جامعة (كاليفورنيا)، والذي ساعد في ترجمة (وثائق تيانانمين) وهي مجموعة من الوثائق الحكومية التي تتعلق بأحداث الرابع من يونيو، يقول إن جهود الحكومة الصينية المتواصلة لدفن أي نقاش حول هذه الاضطرابات تؤكد عدم شرعية تلك الجهود. ويضيف السيد (لينك) أنه بالكشف عن الاحتجاجات السلمية التي دفعت بالملايين الى الشوارع- ومن بينهم أعضاء من الحزب الشيوعي ومحاربون قدامى بالجيش- فان صور السيد (زو) تُفنّد (تدحض) المزاعم الرسمية التي تقول إن الاحتجاجات كانت عصياناً خطيراً.

يقول (لينك): «إنها وسيلة رائعة لتسجيل الجانب الخفي من عدم الأمان الذي يُغلِّف حادثة تيانانمين، وبالمعنى الأشمل، فانه يرصد الكثير من الشكل الرسمي للصين الحالية، ويبدو وكأن الفنان يقول: (ذلك هو الواقع الذي لا ينظر إليه الجميع مباشرة، لكنهم يعلمون أنه يحدث هناك)».

والمتاجر الموجودة في الصين لن تبيع كتاب ( صور سلبية ) في القريب العاجل، ويجد السيد (زو ) صعوبة في الحصول على نسخ منه، وقامت إدارة الجمارك الصينية أخيرا، باحتجاز وإتلاف صندوق مملوء بنسخ من الكتاب، تم إرساله إليه عن طريق شركة الشحن العالمية (فيديكس).

ويعترف السيد (زو) بالمخاطر المحيطة بمشروعه الأخير، لكنه يقول إن الصور السلبية كان قد بدأ يصيبها الاصفرار بفعل الزمن، وأضاف وعلى وجهه شبح ابتسامة باهتة: «أنا شخصيا أصابتني الشيخوخة، وإذا لم أنشر الصور السلبية الآن، إذاً فمتى أنشرها؟».

كتاب (صور سلبية) آخر كتاب مُصَوَّر طبعه الفنان الصيني زو يونغ المولود في شنغهاي بالصين في 1954، وقَدَّم أول معرص صور له في 1986، ثم عمل في دور نشر عديدة منذ ذلك الحين، داخل اليابان والصين.

المقالة بقلم أندرو جيكوبس وهو مراسل أميركي، يعمل لصالح النيويورك تايمز، ومقر عمله الحالي هو (بكين). وتتركز مقالاته حول السياسة الصينية، و كتب منذ عام 2008، أكثر من 400 مقالة للنيويورك تايمز في الشأن الصيني. وفي 2002 فاز مع مجموعة من المراسلين بجائزة بوليتزر في مجال الخدمة العامة، لتغطيتهم أخبار هجمات التاسع من سبتمبر، إضافة لجوائز أخرى في مجال الصحافة.