قليلا من الوضوح / فنان لبنان الكبير «شوشو»

1 يناير 1970 06:24 ص
| ناصر الملا |

حسن علاء الدين المواطن اللبناني البسيط، الذي بدأ حياته موظفا في محكمة بيروت «كحاجب» ينادي على دعاوى وقضايا الناس... ثم انتقل موظفا بسيطا في البنك الاهلي السعودي في بيروت، وروح الفكاهة والمرح وحب الناس والاشتراك في همومهم وامانيهم لاتفارقه ابدا، إلى ان دخل مبنى التلفزيون ووقعت عينا احد المخرجين عليه وكان المخرج محمد شامل، الذي تزوج علاء الدين في ما بعد ابنته فاطمة شامل حيث جذبه «شوشو» كما كان ينادى في لبنان وادخله برنامج «دنيا الاطفال» ولم ينفك المخرج محمد شامل في توجيهه وارشاده تجاه العمل الذي يؤديه إلى ان نجح البرنامج... فقام المخرج وادخله في برنامج آخر كان يحمل اسم«يامدير»، ومنه عشقت الجماهير شخصية شوشو، وشيئا فشيئا ترك «شوشو» وظيفته في البنك وتفرغ كليا للاعمال الاذاعية والتلفزيونية... إلى ان احتدم الخلاف بينه وبين المخرج محمد شامل، فقد كان شوشو يحب ابنته فاطمة وهي الاخرى تبادله الشعور نفسه... الا ان الاب كان رافضا موضوع الزواج فهربا وتزوجا رغم فقرهما المدقع... الا ان حبهما كان هو كل ما لديهما من مال وجاه في هذه الحياة، ويحسب للسيدة فاطمة شامل هي حقيقة اسجلها في هذا المقال انها انسانة عظيمة اذ استطاعت وبفترة قياسية ان تؤمن لشوشو سكينته النفسية وتجعله ينطلق إلى عالم المسرح وهو في اواخر العشرينات من عمره...

فقد اقدم في سنة 1965 بتأسيس اول مسرح يومي في لبنان وكان يسمى بالمسرح الوطني، وانشاء هذا المسرح كان مغامرة اذ قيامه كان بمجهود فردي وعشق للمسرح ليس اكثر... ما جعله يستدين مالا من رجال اعمال ومقربين وتزيد قيمة الفائدة عليه في كل استدانة...

كانت الظروف في بعض الاحيان تتماشى معه ويحصل على مداخيل مالية تغطي الديون وفوائدها... الا انه وفي كثير من الاحيان ما كان الحظ يسعفه فينكسر وتبدأ اقدامه تتخلخل في مكانها، وقدم على خشبة المسرح الوطني في بيروت والذي أنشأه الفنان شوشو بنفسه «مسرحية شوشو بك في صوفر» و«كفيار وعدس» و«حب تحت الصفر» و«اللعب على الحبلين» و«طربوش بالقاووش» ومسرحيته الشهيرة التي نبهت لبنان وشعبه ومختلف احزابه وطوائفه عن الخطر المقبل من الخارج «اخ يابلدنا» والكثير من المسرحيات الاخرى.

ومسرحية «أخ يابلدنا» جعلت الحكومة اللبنانية وجميع المهتمين في المسرح والثقافة ينتبهون لها والى فنانها الرائع شوشو... لانها مسرحية تدق ناقوس الخطر في البلد وتدخل بشكل مباشر الاساءة للسلطة الحاكمة لانها تاركة الحبل على الغارب... ما يجعل الاخرين يسرحون ويمرحون كما يحلو لهم، وهي مسرحية تنبأت بحدوث زلزال الحرب الاهلية في لبنان، وهذه المسرحية عرضت خمسة اشهر على خشبة المسرح الوطني وسحبت اغاني هذه المسرحية من قبل النيابة العامة في بيروت وصودرت 135 اسطوانة ودعي شوشو للمثول امام وكيل النيابة من اجل التحقيق معه في هذه المسرحية وبالتحديد في كلمات اغنية من اغانيها التي تقول:


اراضينا للبيع للاغراب يابلدنا

ضمايرنا للبيع للسفارات يابلدنا

ليش بنسرق ما سألتونا

بنسرق لانهم سرقونا

وليش بنبيع ما سألتونا

بنبيع لانهم باعونا

سرقونا الكبار وباعونا الكبار

ونحنا حرامية دراويش

صغار... صغار!


وبعد ان خرج شوشو من النيابة العامة سمح له بان تغنى الاغنية داخل المسرح على اعتبار ان المسرحية مجازة من الدولة وبالتالي لايحق منعها... بينما رفضت النيابة العامة ان تباع او تسمع الاغنية خارج صالة المسرح باي شكل من الاشكال!، شوشو لم يستسلم لاحد... بل طرح رأيه وفنه للناس فعشقوه واحبوه... وبادلهم الصدق فبادلوه اياه، لم يألُ جهدا رغم الاعباء المالية التي تراكمت عليه من خلق الابتسامة على شفاه جمهوره ومحبيه، ونصحه بعض الاصدقاء إلى الاتجاه إلى السينما فهي باستطاعتها ان تعوضه ماليا لان خسائر مسرحه كانت تزيد يوما عن يوم.

فقدم شوشو مع الفنانة المصرية نيللي في اوائل السبعينات فيلم «سيدتي الجميلة» ولكنه لم يعرض... فقدم معها مسرحية «الدنيا دولاب» ونجحت نجاحا سابقا في بيروت، وشكل مع نيللي ثنائي مسرحي لايتكرر، وقدم للسينما افلاما اخرى «كشوشو والمليون» و«ياسلام على الحب» و«مغامرات السعادة» و«سلام بعد موت» ومع المجهود المضني الذي كان يبذله وشرب القهوة بشراهة والسيجارة التي لاتفارق شفتيه احس شوشو بانه محتاج للراحة، ولكن حبه للفن جعله طريح الفراش ليقوم ويعمل من اول وجديد إلى ان سقط من طوله ونقل إلى المستشفى في حالة يرثى لها وتبين ان قلبه بدأت تخور قواه، واحس شوشو انه لن يتمكن من الوقوف على خشبة المسرح ويضحك مع الجمهور الذي سيبادله الحب والشوق والحنين لمسرحه، وهو يبادله الحب اضعافا، وكان شوشو في سن السابعة والثلاثين، حيث فارق الحياة وهو على سرير المستشفى، والديون كانت قد بلغت الزبى عليه والجهات الرسمية اللبنانية واقفة موقف المتفرج على فنانها الكبير.

وفي منتصف السبعينات ودع لبنان وآلاف الناس فنانها العملاق حسن علاء الدين الملقب بـ«شوشو»... ودعته وهي تبكي  عليه آلما وحسرة فمثله لايتكرر في هذا الوجود اذ ما اكثر الذين يتصورون انهم يقدمون الكوميديا، وظل لبنان يبكي فنانه الراحل «شوشو» من حين وفاته إلى انتهاء الحرب الاهلية في عام 1990... وليعلم الجميع ان شوشو فراقه ليس بالسهل ان ينسى او يمحى!.