فاصلة / حديث في مثل هذا اليوم

1 يناير 1970 05:25 م
أتذكر أيام الأمل وسط أصوات الرعد والقصف الجوي التي أذنت بتحرير بلدنا وانتهاء ليل الاحتلال البغيض. كنا نسامر المذياع بالاستماع ?خر الأخبار ما بين البي بي سي وصوت أميركا وموسكو ومونت كارلو، حيث التحليلات السياسية والعسكرية وأين وصلت بوادر الفرج، لدرجة أنني حفظت أسماء أغلب المذيعين والمحللين في تلك الأيام، مما شكل علاقة حميمة مذاك بيني والمذياع .

كنا صغارا نحلق على الأرض في حوش بيتنا ونحن نتابع طائرات التحالف ونهتف باسم الكويت دون خوف من أجواء الحرب التي كنا نقرأ ونسمع عنها قصصا كثيرة وكوارثها ومصاعبها وتأثيراتها اللاحقة.

كان عمري 18 عاما، أكبر إخواني في أول دربي بالحياة شاب، أخطو في طريق الحلم، أختبر الألم كما الأمل، فكان الاختبار قاسيا جدا.

كنت الرجل الثاني في البيت بعد أبي، ظل أماننا الأوحد والساعي وراء توفير كل ما يُعيننا على الصمود والصبر دون وجل، هو أستاذ التاريخ والجغرافيا من علمنا حب الوطن والأرض والاعتزاز بتاريخه وهويته الوطنية، و أنه لا جغرافيا آمنة ولا انتماء آخر خارج حضن الوطن مهد الوجود ولحدنا آخر العمر. كنا حديث ودعاء أمي كل يوم وهي تدعو الله ?ن يحفظنا من كل سوء لكوننا ثروتها الوحيدة في هذه الدنيا، تفكر بي وبأخوتي وأبي وبوطننا ولم تفكر بنفسها أبدا وقد شاب شعر رأسها الجميل في عدة شهور وهي لم تصل الأربعين بعد. صبرنا وانتظرنا، وسارية العلم مشتاقة إلى بيرقها المخبأ في قلوبنا وتحت وسادة فكري الدائم.

وبعد الشدة، كان الفرج. المكان الذي اختلف علينا برغم أننا لم نغادره، عاد ثانية إلينا بعد انقشاع غيمة السواد، السماء عاد لونها الأزرق الجميل بعد سقوط القناع الداكن. البحر، صديقي الأنيس، بدأ يبتسم ولو في القلب لوعة، وارتفع علم الوطن فوق الوطن، إلا أن أمورا كثيرة تغيرت في حياتنا، فألعابنا لم تعد مناسبة لعمرنا، وأفكارنا كبرت فوق سننا كثيرا. وسط ذلك كله... كنت أتساءل هل سيكتب الله لي عمرا ?عيش وأتذكر كل هذا؟

هل سيأتي يوم أروي ?بنائي هذه القصص التي عشتها شاهدا... وساردا؟

الحمد لله، تحقق لي هذا وأحكي لهم كل يوم الوطن أغنية يومية جميلة استحضر معها الشاعر الشهيد فايق عبدالجليل:

يا وطن غالي... على الغيمة... على النسمة... على النبتة... على الانسان

يا وطن رافض دموعك من زمان

يا وطن خلني تحت جرحك حنان

يا وطن امنحني مفتاح الأمان

يا كويت

ذكر حلاك

واسمك حلاك

اعطش

وأحس أن الحلا طعمه يطيب.

والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.

* كاتب وناقد كويتي

@bo_salem72