خواطر صعلوك / الابتسامة في زمن عبوس!
1 يناير 1970
05:57 م
منذ ثلاثين عاما وأنا أسير على قدمي وإلى الآن لم أصل إلى أي مكان و كل محاولاتي لإصلاح العالم باءت بالفشل، وقد نذرت أن لا أمس شعري بمشط أو جسمي بماء حتى أكتشف ما هو سبب هذا الفشل. لذلك ذهبت إلى طبيب نفسي لأعرض حالتي عليه، وبعد أن استلقيت على فراش الطبيب كما استلقت الأمة العربية على فراش أمريكا ولكن مع اختلاف الوضعيات، سألني الطبيب عن الحادثة التي حصلت لي في صغري ومازالت في ذاكرتي.. فقلت له أذكر أن مدرس التربية الإسلامية علمني أن الكذاب مكانه نار جهنم.فقال الطبيب وهو يبتسم (ولكنك تعلمت من بوستر الانتخابات أن الكذاب مكانه مجلس الأمة أو مجلس الإدارة أو مجلس الأمن) فقلت له صدقت.
ثم قال لي وماذا تذكر أيضا؟ فقلت له أذكر أن أمي رحمها الله علمتني أن الفوضى تؤدي للخراب. فقال الطبيب وهو يبتسم (مرة ثانية) ولكنك اكتشفت أن البلد تسير بالفوضى ولأنها تؤمن بالفوضى الخلاقة. فقلت له أصبت.
ثم قال لي وماذا تذكر أيضا؟
فقلت له أذكر منذ زمن أني قرأت لعالم الفيزياء والكوزمولوجيا ستيفن هوكينچ أنه قال: «ان لكل نجمة في السماء موعد ولادة ثم موعد انفجار ثم انسحاق ثم تتحول إلى ثقب أسود يمتص كل شيء حتى الضوء». فقال الطبيب وهو يبتسم (مرة ثالثة) ولكنك اكتشفت أن نجمة داوود الموجودة على علم إسرائيل تحولت إلى ثقب أسود يبتلع أراضي العرب من دون المرور بمراحل الولادة والانسحاق. فقلت له أفلحت.
ثم قال لي وماذا تذكر أيضا؟
فقلت له أذكر أني قرأت في إحدى المجلات أن بعض كبار حكماء اليوغا والبوذية ورهابنة التبت عندهم القدرة على الاختفاء بأجسادهم عن طريق ممارسة التأمل والتركيز بعد جهد جهيد.
فقال لي وهو يبتسم (مرة رابعة) ثم اكتشفت أيها البائس أننا كشعوب عربية وإسلامية من دون أي جهد أو تركيز منا مختفين عن أعين المسؤولين، بل وعن أعين العالم أجمع للدرجة التي جعلت العالم كله لايرى الشعب الفلسطيني واعتبر فلسطين أرضا بلا شعب وأعتبر اليهود شعبا بلا أرض. فقلت له أفصحت.
فقال لي وماذا تذكر أيضا؟
فقلت له أذكر أني قرأت للشاعر الدغستاني رسول حمزاتوف أنه قال إننا نحتاج سنتين لنتعلم الكلام، وستين سنة لنتعلم الصمت.
فقال لي الطبيب وهو يبتسم ( مرة خامسة) ولكنك اكتشفت أن الشعوب العربية ثرثارة وتتكلم في كل شيء لأنها تتعلم الصمت قبل الستين بعشرات السنين.
فقلت له اسمع أيها الطبيب المتحذلق، أراك تبتسم كلما أخبرتني بدائي فهلا قلت لي علام الابتسام وهو في غير موضعه؟
فقال الطبيب وهو يبتسم (مرة سادسة) إن الحياة مسرحية رخيصة لا تستحق أكثر من ابتسامة تفقدها انتصارها.
خرجت من عند الطبيب وأنا أفكر في كلامه، وقلت في نفسي يبدو أن كلامه صحيح، فإذا كانت الشريعة الإسلامية تأمر بقطع يد اللصوص بينما الشريعة الدولية تأمر بقطع اليد التي تمس اللصوص بسوء... أليس هذا شيء يدعو إلى الابتسام؟
يبدو أني قد عرفت كيف أواجه الفساد وإصلاح العالم... بالابتسامة.
يقول إيليا أبو ماضي:
قال السماء كئيبة! وتجهما
قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما!
قال: الصبا ولى! فقلت له: ابتــسم
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما!
قال: التي كانت سمائي في الهوى
صارت لنفسي في الغرام جهنما
خانت عهودي بعدما ملّكـتها قلبي
فكيف أطيق أن أتبســما!
قلت: ابتسم واطرب فلو قارنتها
لقضيت عمرك كله متألما.
وأعلم أيها القارئ اللطيف أن الابتسامة سلاح من دون ترخيص فصوبه تجاه العالم ولا تبالي.
واستأذنك الآن في أن أمشط شعري وأمرر الماء على جسدي فقد أوفيت نذري واكتشفت خللي.
قصة قصيرة:
في إحدى الدول العربية كانوا يجتمعون على الأرصفة... مجرد صعاليك أعمارهم لا تتجاوز عمر قناة تلفزيونية أو جريدة إلكترونية أو شبكة صرف صحي في دولة نفطية... جميعهم كان لديهم ذات الحلم وهو أن يسكنوا القصور... أو يموتوا في القصور... أو يناموا في القصور... وجميعهم حققوا أمانيهم فبعضهم نام في قصور العدل.... وبعضهم مات من قصور الشريان التاجي، وبعضهم سكن قانون القصور الذاتي الذي يمنعه من الحركة.
* كاتب كويتي
@moh1alatwan