رثاء / أمّـاه ... اشتقتُ إليكِ

1 يناير 1970 09:10 م
في لقائنا الأخير، وقبل الوداع ككل مرة عندما أسافر، هَمَستْ في أذني: لا تنساني، لا تتأخر في الاتصال والسؤال..

ربما كانت تعرف انه سيكون اللقاء الاخير، والعناق الاخير، عانقتني بشدة، قبّلتني بحرارة وبكت، ثم غادرت.

تأخرتُ في الاتصال، فجاءني الاتصال، لم يكن منها، لم يكن خبراً منها، كان عنها، كان خبرها.

لم أبكِ مرة. في كل لقاء بعد غياب، أو وداع بعد لقاء، كنت أحبس أنفاسي، لكي لا تشعر بأي حزن... لكني لم أستطع، مع الاتصال الذي حمل إليّ الخبر الفاجعة، بكيتُ وبكيتُ وبكيتُ... لكن أيا ليت البكاء يخفّف هول المصاب...

كلما مرّ يوم زادت آلامي، كلما أشرقت شمس صباح زاد سواد حزني، وكلما أظلم الليل زادتني عتمته ألماً وحزناً، فأي نور بعدك...

مع كل غمضة عين، يمر طيفكِ أمامي سريعاً، أحاول التوقف عند كل لحظة لأسترجع ذكرياتي معكِ، أتذكر كل ضمة في حضنكِ، اشتاق لكل قبلة منكِ على خدي، اشتاق لأطبع قبلة على جبينك الطاهر.

أغمض عيوني حابساً دموعي، فتنزل بلا استئذان على خدي ترسم ملامح يتيم بائس، وتخط حزناً حفره غيابكِ في أعماق قلبي..

ما زلتُ لم أصدق، لست قادراً أن أصدق انك غِبْتِ إلى الأبد، خبر رحيلكِ يتردد صداه في أذنيَّ بلا توقف، لكني أرفض التصديق، كل ما فيّ يتمرد على الخبر، ها أنتِ في أعماق قلبي، ونبضات روحي، ونور عينيَّ.

هل تذكرين اللقاء الأول بعد السفر؟ كنتِ نائمة. أتذكر كيف أيقظتكِ من نومكِ فقمتِ خائفة، خائفة عليّ، اطمأننتِ إليّ، ثم عانقتني بحرارة والضحكة تملأ وجهك ببسمة تعلو محياكِ،،

في اللقاء الأخير بعد السفر، عدتُ على عجلٍ، كنتِ أيضاً نائمة،، نظرتُ في عينيك المغمضتين، قبلتُ جبينكِ، هززتكِ فما استيقظتِ، بقيتِ نائمة، وأجمل ابتسامة مرسومة على وجهك المتلألىء ناصع البياض، لم تستيقظِي لمعانقتي، لم تفتحِي عينيكِ لرؤيتي، وأنا الذي جئت مستعجلاً رؤيتك وإلقاء النظرة الأخيرة إلى وجهكِ الطاهر، لم أجدْ من يستقبلني بضحتكِ هنا. لم أجد من يجالسني قهوتكِ، لم أجد من يضمني مهنئاً بسلامة العودة، كانوا كثراً في السلام والكلام، في الحنان والاحتضان، فتشتُ عنك، كنتُ أرى صورتكِ في كل الوجوه، لكنكِ لستِ بينهم، كانوا كثراً من أجلكِ، جاؤوا يودعونكِ، جاؤوا لمواساتي فيكِ.

وافاجعتي بكِ،، أيعقل انكِ تركتني وغادرتِ، هكذا ومن دون مقدمات، أغمضتِ عينيك، ورحلتِ.

كان رضاكِ همي، لكن يا لقلبكِ الحنون الذي عكس المقاييس وقلب المعادلات والموازين كلها، فجعلتِ رضاي همّكِ. كنتِ فريدة، في هدوئك، في غضبكِ، في كل شيء. كنتِ طيبة، ماذا ينفع رضاي أمام أن تكوني راضية عني، وأن يكون دعاؤكِ زادي وسندي في بُعدي عنكِ،، فوالله ما كنتُ لأبخل عليكِ بعمري لو العمر يُهدى،، زادي بعدك هو حبٌ لا ينتهي زرعتِه في نفسي لروحكِ، سندي هو طيفك الذي لا يفارقني، عزائي هو رحيلكِ وأنت راضية عني.

بئساً لكل لحظة من حياتي ضاعت من دونكِ، بئساً لكل كلمة تفوه بها لساني وأغضبتكِ، بئساً لكل لحظة قصّرت فيها تجاهكِ، وأنا الذي مهما فعلتُ لا أوفيكِ جزءاً يسيراً من حقكِ عليّ.

فقدتُ الإحساس بالأمان من دونكِ، بتُّ أعيش خائفاً من بعدكِ، ما زلتُ أبحث عن طريقي الضائع بعدكِ، أفتقدُ القدرة على النهوض مجدداً، أحسّ اني هرمت، رحيلكِ أفجعني، ومصابي كبيرٌ كبير، اللهم لا اعتراض على قضاء الله، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، لكن هل يُلام يتيم؟! هل لابن آدم ألا يجزع أمام هول هذا المصاب؟

حملتُ جثمانك بين يدي، وقد تجمّد الدم في عروقي، لكني أصدقكِ القول إني كنتُ جسداً بلا روح يتحرك، حين لمستُ جثمانكِ، وحملتُ نعشكِ، ونزلتُ قبركِ، أيا ليت يديَّ قطعت قبل أن تنزلك القبر.

مسحتُ بيدي على جبينكِ للمرة الأخيرة، أسندتُ رأسكِ إلى التراب، ودعتكِ بنظرة أخيرة... ارجعي إلى ربك راضية مرضية.

أمّاه، اشتقتُ إليكِ، اشتقتُ أناديكِ وأسمع صوتكِ، اشتقتُ إليكِ تناديني، اشتقتُ لكلمة أمّي، اشتقتُ إليكِ يا أجمل الأمهات... أمي.

هناك، في عليائكِ يا أمي، اسكني بين يدي الرحمن، ظلّلي حياتنا بروحكِ بيننا دائماً، كوني مطمئنة على الأمانة، كفيّتِ ووفيّتِ، وأديتِ الأمانة التي سنحفظها، وعزاؤنا أنك الأمانة التي استردها العلي القدير.

برحيلكِ أغلق باب من أبواب الجنة، أسأل الله أن تكوني إحدى نساء الجنة...

رحمك الله يا أمي وتغمدك بواسع رحمته ومغفرته وأسكنك فسيح جناته.