علي محمد الفيروز / إطلالة

ظاهرة عقوق الوالدين !

1 يناير 1970 06:56 م
يقول الله تعالى في محكم تنزيله «ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربِ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه...» كما يقول الله تعالى في سورة الإسراء «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما، فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً» صدق الله العظيم.

نعم، كم للآيتين الكريمتين فضل كبير على الوالدين، فوصى الله تعالى ببر الوالدين وأمر بإحسانهما، ومن لطفه تعالى بعباده وشكره للوالدين أن وصى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف والكلام الليَّن وبذل المال والنفقة وغير ذلك من وجوه الإحسان، وذكر الله تعالى ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها ثم مشقة ولادتها ومشقة الرضاع وخدمة الحضانة وغيرها تستوجب الشكر والثناء على الله تعالى وعلى الوالدين، فلا تسمعهما قولاً سيئاً ولا حتى التأفف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ، فمعنى «لا تنهرهما» أي يجب ألا يصدر منك فعل قبيح إليهما ولا تنفض يدك عليهما، إذ أمر الله بالقول الحسن والفعل الحسن للوالدين والتصرف معهما بالأدب وبتوقير وتعظيم، وتواضع لهما بفعلك. هذا وقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة ومنها عن مالك بن ربيعة الساعدي قال بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاءه رجل من الأنصار فقال «يا رسول الله، هل بقي من بر أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما» رواه أحمد وأبوداود وابن ماجة.

وفي حديث آخر، عن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله: أردت الغزو، وجئتك استشيرك، فقال: فهل لك من أم؟ قال: نعم، قال «فالزمها فإن الجنة عند رجيلها». رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. نعم بعد كل هذا من التفسير لكتاب الله تعالى وكل هذه الأحاديث والبراهين الشريفة نرى أن المجتمع الكويتي بدأ يتغيّر في عاداته الأصيلة وبدأ ينزلق نحو عادات غريبة وسيئة قد تقذفه إلى الهاوية، من خلال عقوق الأبناء والاهمال الأسري الفظيع، فالأمر مع الأسف لم يقتصر فقط على كبار السن، بل تجاوز عن ذلك بعد مشاهدة أطفال في عمر الزهور قد أودعوا في المستشفيات ولا أحد يسأل عنهم بحجة أنهم تحت رعاية صحية، ففي غياب الوازع الديني والاهمال الأسري وقسوة المشاعر والقلوب والهروب من المسؤولية الملقاة على عاتق الأسر والأبناء أصبحنا نشاهد العجائب وسط تصرفات غير إنسانية لم تشهدها الأسر الكويتية قط!!

لقد مللنا من كلمة الزمن تغير، فلا وألف لا... بل الأشخاص هم الذين تغيروا ولم يغيّروا ما بأنفسهم إلى أن أصبحنا نشاهد ونسمع أشكالا وأنواعا من «العقوق»!

فهناك قصص وروايات حزينة فيها مآسٍ تتعلق بالمسنين المنسيين خاضعين تحت وطأة المرض وعقوق الأبناء ولا أحد يسأل أو يلتفت إليهم عند الحاجة رغم مكانتهم العالية وفضلهم الكبير، بالطبع نسيهم أبناؤهم في المستشفيات ولم يسألوا عنهم حتى وهم في دار الرعاية «العجزة»...

نعم انها فعلاً قضية إنسانية بكل معانيها وباتت تشكل خطراً على المجتمع الكويتي، فهي قضية رأي عام تفاعل معها الكثير من أفراد المجتمع المحافظ، والمشكلة انها لم تقتصر على الكويتيين فقط بل طالت جنسيات أخرى تركهم ذووهم في المستشفيات وأماكن أخرى في الكويت ولم يسألوا عنهم بتاتاً إن كانوا أحياء أو أمواتا، كما أن مؤشر أرقام هذه القضايا في الكويت قد ضرب أرقاماً قياسية ليكشف لنا عن مدى عقوق الأبناء لهذه الفئة من المسنين الذين هم في أمس الحاجة للرعاية المنزلية والأسرية وخصوصاً عند المرض وسوء الكبر، يالها من لحظات تدمع لها العين وتتفطر لها القلوب والمشاعر ولكن السؤال أين هؤلاء الأبناء وأين الأهل والأصحاب والأحباب عند الشدائد؟!

أين ذهبت بهم سنوات التربية والمصاريف التي صرفها الآباء والأمهات منذ صغر الأبناء الى سن الرشد؟! أين... أين؟! هل ذهبت هباء منثورا، أم أن المصلحة العامة ومشاغل الدنيا قد طغت على حقوق وواجبات الأبناء على الوالدين؟!... إن حالة الرعيل الأول وكبار السن تحت وطأة المرض هي حالة صعبة مؤلمة وعقوق الأبناء قد زاد الطينة بلة أي قضى على كل شيء، وبالتالي هم بحاجة إلى مساعدة إنسانية من الأبناء أو على الأقل يد حانية من ذويهم تأخذ بأيديهم في رعاية أسرية أو منزلية كريمة ليكونوا بعيدين عن الآخرين الغرباء أو تعامل المستشفيات، والطامة هنا حينما يرفض ذووهم تسلم عمدة العائلة المسن من المستشفى بحجة أنه مريض ويعاني من الشيخوخة.

انه لمن المعيب أن يحضر الأبناء الى المستشفيات عند الممات... لانها مصيبة لا يصدقها العقل والمنطق والعادات والدين الحنيف... نعم إن الأبناء هم من يتحملون مسؤولية رعاية الآباء والأمهات، وبالتالي فالأبناء العاقون بحاجة إلى أن نغرس فيهم القيم والعادات والأخلاق الحميدة التي تحمل أفضل الثقافات الأسرية من خلال دعم الحكومة لإطلاق حملات توعوية توعي المجتمع من خطورة تنامي هذه الظاهرة، كما اننا بحاجة الى توفير هيئات ولجان خيرية ترعى هذه القضية الإنسانية لتخدم كبار السن وفي حال رفض الأهل أو الأبناء تسلم ذويهم نتمنى احالتهم إلى القضاء لنيل أقصى العقوبات... وفي الختام أختم مقالي بالآية الكريمة «ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً» صدق الله العظيم.

[email protected]